"أيها القبلة المستحيلة
عندي كلام ضدَّكَ.
منْ أحبكَ سقط عند حدودك لاهثاً، من كرهكَ أفلَ عند مشارفك، وأنا.. كم تعذبت فيك وأنت تضمد موتاكَ كما لو أنهم جرحى.
لأجل من سأقف في الظهيرة الحارة، لأجل من سأرحب بالذباب والرطوبة والضيوف العابرين، بالماء البارد والأجساد المستلقية على الإسمنت العاري، بالخناجر العالية والأواني الصدئة في الباحات.
بالنصال الدامية وصوت السيارات العابرة وطنين الدراجات النارية من بعيد، بطلقات حرس الحدود في عزّ الظهيرة، بالرطوبة وصرير الأبواب، بالرجال المكشوفين تحت الظهيرة، بالرجال المقتولين في غفلة من الشمس.
منذ زمن وأنا أعدّ النبيذ
أعد كلامي المنتشي
منذ زمن وأنا أبتكر خساراتي
وأسوق الريح ضدي
دون شباك أعبر البحر، أودعُ روحي في جميع الأسماك ودون سمكٍ أعود، وعليَّ أن أدقَّ جميع الأبواب كي أستردَّ قتلاي، كي أتذكر ظلي وهو يسبقني إلى الأرض، قليلاً من الوقت إذن أيها الموت كي أخمد عصيان قلبي، قليلاً أيها الغريم الصامت، فماذا بعد أن شردت أبقار القرى إلى المدن المجاورة، ماذا بعد أن صدمتها الشاحنات العابرة، ماذا بعد النجوم التي حطت على أكتاف الضباط كاعتراف من الله.. ماذا؟.. وبماذا ستكمل المهزلة أيها الغريم؟..
ضدَّ كل شيء من أجل لا شيء يا جليس الساعة الأخيرة، يا سليل الشر وجاني أوراق البشر من السماء، دع لي أن أكرهك قليلاً، أن أسابقك حتى آخر المسافة المفضية إليك.
أيها القبلة الأخيرة
أيها الرسالة التي دائماً أصل أنا إليها
ليس الهواء ما يوصل صوتي، ولا البناؤون من يعيدون ترتيب جسدي، ليس خراباً ما يعتريني وليست المتعة ما يؤخرني عنك، لقد اقتربت منك أيها الموت فدع لروحي أن تصفر قليلاً كما لو أنها تصلُ على مهل، دعها ترقص قليلاً كما لو أنها غير آبهة بكَ، دعها تستعيد ألق السنين الغابرة كما لو أنها تصلُ سعيدة.
منافسي الأوحد وغريمي الأخير، آخر الذين يصلون إلي، أجملهم وأقساهم الموت.. شريك الأرواح، عشيق أهوائي ومدمر حالي، دع لي أن أترنح في طريقي إليك كما سكير لن يصل.
وهل أصل؟
إلى اللحظة الأخيرة، لحظة اعترافي بكل أخطائي، وهل سيرافقني أحد؟
ـ لا أحد يرافق الريح إلى الخراب سوى ما تعصف به
اعصفْ بي إذن، معي الجميع وانتقيني، فأنا الذي ضدك من أجل أن أموت، ضدك من التراب إلى التراب ومن الدودة إلى الدودة كي تقول إنكَّ تنتفض لأجلي الآن، وإني الأوحد الذي قدمَ إليكِ بحياة كاملة أقدمها لكَ كما لو أننا صديقان، أيها الغريم الأخير فليكن للريح مكان بيننا وليكن لي أدفنَ تحت هذا المكان.
غير أني لا أعرف أين أمضي بكل هذه الأخطاء
لا أعرف من يمتلك الحب العظيم كي يصفح عنها جميعاً، ولا أعرف كيف ارتكبتها في هذا العمر القليل وحدي، أرتجف بجانبك وفي غيابك أرتجف وفي غفلة من أصابعك أرفع كفاً من الخواتم وأهتف:
بصحة الموت هذا الخراب
هذه الأسوار والخناجر الملتمعة
كسرد ممكن لهذا المستحيل، كأن أصفكَ وأتركك سراً ينخر في فمي
أيها الموت هل أستطيع أن أحصيك، هل أستطيع أن أملأ بالنشوة وحدي؟..
أتقوقع داخل روحي فيفضحني الجسد، أخبئك في جسدي فتفضحك الرائحة، ماض عنك.. لك أن تشيعني فأنا أنسى الحكاية، كلما ابتعدتُ عنها وأنسى زبيبي يابساً على الأسطحة
أنسى غسيلي
تحت المطر
وأنسى طريق العودة إذا ما عنَّ لك أن تناديني
ملك مخلوع وعرشي أسنان مخلوعة مثلي، عندما أمضي ناسياً أوراقي الخاسرة في الكتب المقدسة أظن نفسي من قتلَ المسيح..
كسرد ممكن، كأعجوبة أفلتت منك بأعجوبة
ناسياً غريمي خلف الطريق، ناسياً هاويتي"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق