‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوميات الهر المنزلي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يوميات الهر المنزلي. إظهار كافة الرسائل

٣٠‏/٠٥‏/٢٠٠٧

سهرة أدبية في اللاتيرنا

دخل أبو سعاد العراقي وهو شاعر بالضرورة إلى مطعم اللاتيرنا ولكن بصحبة امرأة هذه المرة , و لم يلتفت أبو سعاد لا يميناًَ و لا شمالا كي لا يضطر إلى الجلوس مع أحد بصحبة صيده النادر , إلا أن التفاتة لا إرادية بدرت منه إلى الطرف الأيمن سببت وقوف عشرين شاعراً من مختلف الجنسيات الشرق أوسطية احتراماً لأبي سعاد و " ضيوفه" ، وبادر الشعراء إلى الترحيب بصديقهم بحرارة لا متناهية , بل إن بعضهم هرع إليه وقبله ثم عانقه على الرغم من أنه كان يتمنى عدم حضوره قبل دقائق , وجلس أبو سعاد رغماً عنه بعد أن أجلس صديقته , و بلمح البصر كان " لورانس" قد أحضر كأسين فارغتين و صب بنفسه النبيذ الأبيض وقال : " أهلاًَ و سهلاًَ مدموزيل"، و انسحب ضاحكاَ بعد أن رأى الجميع سنه الذهبي ملتمعاً في فمه.

اتخذ أبو سعاد وضعية قائد الجلسة و رفع كأسه :" أصدقائي الأدباء جلستنا هذه ..... أدبية .... و معنا أختكم الآنسة ختام و هي شاعرة من القطر العربي السوري من الساحل الجميل" ، و قبل أن يتم جملته ارتطمت الكؤوس ببعضها البعض، و أحس أبو سعاد بانتصار جزئي كونه أكد أن الآنسة ختام هي " أختهم " مستثنياً نفسه من هذه الأخوة , ومع ذلك فقد تسابق الجالسون إلى الترحيب بأختهم الآنسة ختام التي انتشت، فأفرغت كأس النبيذ كاملاً في جوفها , و سرعان ما امتلأ الكأس من جديد، فافتر ثغر الآنسة ختام عن أسنان صفراء , و فجأة و دون سابق إنذار افتتح أحد الشعراء من الأشقاء السوريين الجلسة الأدبية قائلاًً" إن السياب كأحد الشعراء الرومانسيين ....

الشعر العربي بهذه الطريقة, معقولة تقول عنه رومانسي ... شنو هوة .. خََوَل ؟!!!"

و تبع الجميع أبا سعاد، و انهالوا بالشتائم على رأس السوري الشقيق بمن فيهم أشقاؤه السوريون , أما الفلسطينيون الجالسون على الطاولة، فلم يحركوا ساكناً لأن الموضوع لا يمس محمود درويش لا من قريب ولا من بعيد .

و بعد انهيار الشاعر السوري الشقيق انتشى أبو سعاد مما استدعى الجالسين أن يطلبوا منه قراءة قصيدة من تأليفه , ارتشف أبو سعاد قليلاً من النبيذ و تأمل الحاضرين ثم جاد : " لنخلة شاردة في غياهب السماء ... ", وتعالت الأصوات، و ارتطمت الكؤوس ببعضها البعض، و أجهش أحد العراقيين بالبكاء، و تحدث بشكل مبهم عن النخيل و الرمز الذي تحمله هذه الكلمة و هو يسترق النظر إلى الآنسة ختام , ثم أكمل أبو سعاد منتشياً : لنخلة شاردة في غياهب السماء/ لدماء دجلة وهي تتدفق عالياً ..." , هنا أجهش الجميع بالبكاء .بمن فيهم السوريون لأن دجلة يمر بالأراضي السورية أيضاً , أما الفلسطينيون، فلم تهتز شعرة في رؤوسهم لأن دجلة لا يصب في البحر الميت , ثم أكمل أبو سعاد واقفاً و بحماسة منقطعة النظير :" لدماء دجلة وهي تتدفق عالياً / تجش الحقيقة في صدري/و أجهش../ " و هنا أجهش الجميع بالبكاء بمن فيهم عمال المطعم الواقفين بعيداً , و تابع أبو سعاد : " وأجهش.. / لا مكان للجواسيس بيننا ..."

تبادل الجميع نظرات الشك و الريبة , تخيل كل منهم أن الأخر جاسوس يكتب فيه التقارير ليلاً ونهاراً , و لكن صوتاً مرتجفاً ظهر : " سنشرب حتى الثمالة يا أصدقاء على شرف هذه القصيدة العظيمة "، فانبرى أبو سعاد للموضوع مباشرة و صرخ : " لورانس... هات ثلاث زجاجات نبيذ أبيض ... و سجلها على البخاري ..." و البخاري ... , محمد ... موريتاني يعيش في دمشق منذ أكثر من عشرين عاماً , وهو يحاول قدر الأمكان عدم استفزاز أ؟حد لهول ما يشعر به من رعب العودة إلى نواكشوط , وهو_ أي محمد البخاري _ يتواجد في كل الأماكن العامة و الخاصة إلى درجة أنه كان جالساً معنا ذات يوم في اللاتيرنا و نهض الحلاج إلى التليفون وخابر كافيتريا الشام طالباً محمد البخاري، فرد عليه البخاري من هناك.

و دخل الحلاج و ناصر نعساني، و جلسا معي بالقرب من طاولة السهرة الأدبية، و سرعان ما انضم البخاري إلينا و هو يدخل مترنحاً من الخوف و ليس من السكر، و بدأنا بممارسة هواية شرب البيرة، و كان الحلاج يحدثني عن مغامرته في اليابان.

نظر أبو سعاد إلى طاولتنا، ورفع لنا كأسه ثم التفت إلى جلسائه، و طالبهم بالاستماع إلى قصيدة من تأليف الآنسة ختام و إلقائها , فساد صمت رهيب .

بدأت الآنسة ختام بالقراءة :" أيها الجسد المتعمشق / على حورة اللانهاية / تعملق / تجنس/ تناسل..."

ارتطمت الكؤوس ببعضها البعض، و طارت مفردات في الهواء واختلط بعضها ببعض مثل " جميل ... جرأة ضخمة ... شعر حقيقي ... تفجير لغوي هائل .. تجديد.. استخدام رائع للغة ... أحساس فريد بالجسد ... الخ...".

كادت الآنسة ختام أن تبكي لهذا النجاح الباهر، و تابعت :

"تعملق ... تجنس... تناسل/ أيها الجسد المتساقط / على هذايات الروح/ اضمر ... و اختبئ / في ركام اللغة اللازوردية / و في ثنايا ... الكلام"

وعلى الفور نهض الجميع و بحركة مسرحية موحدة رفعوا نخب الآنسة ختام : " ثورة على الجنس .. تحرر من التقاليد المجتمع ... تمرد على عبودية الجسد ... الخ"، وعندما سألوها أين كانت مختفية فيما مضى هي و شعرها بدأت الآنسة ختام بالحديث عن زوجها الظالم والتافه الذي كان يمنعها من كتابة الشعر و يحاصر أفكارها، فطلقته من أجل التفرغ للكتابة، و عندما عرف الجميع بأنها مطلقة وأن الآنسة ختام ليست بآنسة فعلاً دخل السرور إلى قلوبهم، وأصبحت محاولاتهم في التودد إليها أقوى وأكثر على الرغم من أن أبا سعاد كان قد حرمها عليهم جميعاً عندما اعتبرها " أختهم " و حللها لنفسه فقط.

وبطريقة عاصفة .. دخل الشاعر العراقي فايز العراقي وعرف عن نفسه للآنسة ختام، ووضع كيساً أسود على الطاولة وجلس , ثم بدأ يعدد دواوينه للآنسة ختام بما فيها التي لم تصدر بعد على اعتبار أن أجمل القصائد هي التي لم نكتبها بعد كما يقول ناظم حكمت , و فايز العراقي اسم مستعار كي لا يناله زبانية صدام حسين من الشاعر. وقد طبع ديوانه الأول بهذا الاسم المستعار، ووضع صورته على الغلاف الأول.

أخرج فايز العراقي ديوانه الجديد الذي خرج من المطبعة للتو وهو بعنوان " كريفونة الغياب"،و بدأ يقرأ منه بعض المختارات بشكل وقور، ثم بدأ يشرح للجالسين عن الكريفون :" الكريفون فاكهة جميلة تنبت على الساحل السوري الجميل وهي تنتمي إلى حزب الحمضيات و هي مرة وحامضة وحلوة في آن معاً ولها دور فعال في القضاء على أذناب وزرابية الكريب و الأنفلونزا"، و بعد أن انتهى من الشرح سحب الكيس الأسود، وأشار إلى فاكهة ضخمة هرت من تحته : " هذه هي كريفونة الغياب ".

لم يكمل جملته تماماً عندما دخل عنايت عطار، وجلس معنا , ولكن عنايت عطار نهض، و قال للجالسين مشيراً إلى الفاكهة التي على الطاولة :" هذه ليست كريفونة".

فامتقع وجه فايز العراقي صاحب ديوان " كريفونة الغياب"، وقال :" ماذا تقصد ؟" .ضحك عنايت عطار و قال له : " لاشيء .. فقط أحببت أن أبارك لك بصدور ديوانك كريفونة الغياب أولاً"، فنظر إليه فايز العراقي غاضباً وقال :" و ثانياً ؟! ".

أجاب عنايت عطار :" ثانياً هذه الفاكهة التي على الطاولة ليست " كر يفونا". هذه ... بوملي ".

بينما كان بقية الشعراء الشرق أوسطيين قد غرقوا في حالة سكر رومانسي على إيقاع قصائد الآنسة ختام التي طلّقت زوجها الحقير كي تتفرغ للأدب، حاول أبو سعاد أن يقرأ قصيدة جديدة بعد نجاح قصيدته الأولى، لكن الجالسين امتعضوا من الفكرة، وأصروا على أن تبقى الآنسة ختام وحدها شاعرة هذه السهرة على الرغم من كونها جاءت أصلاً مع أبي سعاد. تابع الجالسون تعليقاتهم المدائحية لكل قصيدة من قصائد الآنسة ختام، وتباروا في ابتكار المصطلحات ما بعد الحداثوية في توصيف قصائدها، وكان كل من يتحدث عن قصائدها ينظر إليها نظرات ثاقبة علّها تقع في غرامه، وتمضي من ثم معه إلى "مأواه". وهكذا فقد تحدث أحد الشعراء السوريين عن التحرر الجنسي في قصائدها، وتساءل عما إذا كانت صادقة أم أنه مجرد تأليف. ولم ينتظرها حتى تجيب، بل أجاب بنفسه معتبراً قصائدها صادقة وتحررها الجنسي في القصيدة يعبر عن أفكارها وممارساتها في الحياة، وقال في نفسه: إنها حتماً ستذهب معه رغماً عن أنف الجميع، أما الشاعر الفلسطيني، فقد ربط بين قصيدتها والقضية الفلسطينية وكيف أنها تحولت من الخاص إلى العام بسهولة لا متناهية وبطريقة رمزية شفافة، ولم ينس أن ينال من "أبي سعاد" ومحاولاته في الوصاية عليها على الرغم من كونها هاربة من وصاية الزوج السابق الحقير، وبعد ذلك نظر إلى الآنسة ختام، وحيّا فيها روح الحرية المتوثبة في أعماقها ثم حدّث نفسه بأن الآنسة ختام ستمضي معه إلى مخيم اليرموك في نهاية السهرة حتماً.

وما إن انتهى من مداخلته حتى أثنى عليها الشاعر اللبناني الذي سيعود إلى بيروت بعد يومين، وقال "برافو.. مش هي ختام تركت زوجها منشان تخلص من سماه وتصير حرّة؟!.. طيب ليش يا أبو سعاد عم تعمل وصي عليها؟!.. حلّ عنها يا خيّي.. اتركها تعيش لحالها بدون وصاية. يا خيّي أنتو السوريين كتير بتحبو الوصاية.. خلو العالم بحالها". هنا انقض عليه أبو سعاد قائلاً: "آني عراقي.. مين قلك إنّي سوري؟!". رد الشاعر اللبناني بهدوء: "مش مهم يا خيي.. المهم إنو شعرها كتير موديرن و بالتالي حياتها كمان موديرن.. مش هيك يا خيي أبو سعاد!". ثم صمت وهو يفكر في أعماقه أن الآنسة ختام ستمضي معه آخر السهرة إلى بيت عمه في باب توما غصباً عن اللي خلّف أبو سعاد.

وعندما لاحظ فايز العراقي أن الأجواء متوترة حمل كتبه وأوراقه ومضى إلى طاولة أخرى بعيدة، وقال لنا وهو يمر بجانبنا إن الجو مكهرب ولا علاقة له بالأدب على الإطلاق. وبالطبع لم نسأله شيئاً.

وقبل أن يستفيق أبو سعاد من صدمة الخيانات المتتالية، تدخل شاعر سوري، وحلّل قصائد الآنسة ختام بنيوياً، ثم حللها نفسياً، وخَلُص إلى أن عدم ارتوائها من الحب هو وراء الكآبة في قصائدها، وأنها الآن بحاجة إلى الحب كما تشي قصائدها الجريئة بذلك. وعقب بأن الرجل الذي تبحث عنه "ختام" متحرراً من الألقاب للمرة الأولى، ليس رجلاً عادياً، ولم ينسَ الشاعر السوري أن يفهمها في أثناء الحديث أنه يجلس في اللاتيرنا ظهراً ومساءً، وأنه يعيش وحيداً وحزيناً في منزل ذي إطلالة رائعة، وفكر بعد ذلك في أنها حتماً ستطلب منه المبيت عنده.

أشار أبو سعاد إلى لورانس أن يأتيه بزجاجتي نبيذ، وغمزه بعينه كي يسجلهما على الدفتر.

جاء النادل موسى بزجاجتين، وفتحهما ثم صب للآنسة ختام كأساً وقال: "أهلين بالأستاذة، شَعرك حلو كتير". ابتسمت الآنسة ختام، و رشفت رشفة من كأسها، وبدأت بقراءة قصيدة بعد أن استرقتْ نظرة وابتسامة إلى موسى:

"أخذتني أحزاني

إلى ما وراء اللغة

قذفتني الأعضاء

كنطفة وحيدة

تدور عمياء

في رحم الغياب.."

يا سلام.. ممتاز.. رائع.. قلق وجودي جميل.. ضياع الكائن.. إلخ. هتافات وكلمات من هنا وهناك حتى كادت الآنسة ختام أن تنفجر زهواً واعتزازاً.

نظر أبو سعاد إلى الآنسة ختام مبتسماً وفي عينيه حرمان أبدي، وطرق كأسه بكأسها وقال ملتفتاً إلى الآخرين: بصحة هذا الخراب الجميل، فرفع الآخرون الكؤوس، ووقف بعضهم الآخر، وفي هذه اللحظة مدّ أبو سعاد يده، ووضعها خلف ظهر الآنسة ختام من دون أن يلمسها إلا بمصادفات متعمدة.

قال شاعر: أنت جريئة في شعرك، فهل أنت كذلك في الحياة؟

ضحكت الآنسة ختام، وخفضت رأسها قليلاً دلالة الاستحياء، فقال الشاعر اللبناني: له شو مستحية يا ختام.. بحياتي ما شفت شاعر مستحي؟! أنتو السوريين شعب خجول.

ردّ عليه شاعر من طاولة أخرى يبدو أنه كان يستمع إلى الحديث: بلا تنظير على الشعوب يا أخي.

ردّ عليه الشاعر اللبناني بحنق: عم تتجسس على حديثنا يا أخ؟!

هنا انقض أبو سعاد عليه: تقول عن صديقي جاسوس.. ما أسمح لك.

هدّأت الآنسة ختام من روع أبي سعاد، ولكن شاعراً آخر تدخل، وبدأت الكلمات تتطاير من هنا وهناك إلى أن بدأت المعركة بصوت زجاجة انكسرت في الحال، فقلب أحدهم الطاولة مباشرة على اعتبار أنه لم يتحدث قط في هذه السهرة الأدبية. وجاء الجاسوس المفترض لحماية أبي سعاد، وتعالت القبضات وسط تدخل الناقمين بينما كنا نشرب البيرة بهدوء ونحن نستمع إلى إحدى مغامرات الفنان الحلاج في اليابان، صرخت الآنسة ختام وسمعناها تقول : "أوقفوا هذا الخراب الجميل". ثم اختفى صوتها وسط الأصوات المنددة، وارتفع عدد المتعاركين كما ازدادت مساحة أرض المعركة. تطايرت الكراسي في الهواء وصحون السجائر والملاعق بينما لم يمد أحد يديه إلى السكاكين، فكان المحارب يمد يده ليرمي شيئاً، فيجد سكيناً عندئذ يتركها ويأخذ ملعقة.. وهكذا.

وقف لورانس وسط المتعاركين وقال: جاءت الشرطة. فجلس الجميع كل في مكانه. ثياب الجميع ممزقة. وشعورهم مشعثة. طلب لورانس من عمّاله أن ينظفوا المكان بسرعة ثم رمى الفاتورة على الطاولة، ولكن أحداً لم يتصدَ للحساب. تبادل الجميع النظرات، ولاحظوا غياب الآنسة ختام، ولكنهم فكروا جميعاً في وقت واحد أنها بلا شك في الحمام..

وانتظروا، وانتظر لورانس أيضاً ريثما يحاسبه أحدهم.

أوقف النادل موسى سيارة أجرة، والتفت إلى الآنسة ختام، تفضلي، صعدت ختام، وصعد النادل موسى بجانبها، وقال للسائق: على دف الشوك لو سمحت.

١٣‏/٠٥‏/٢٠٠٦

المـريـدان

لم يكن لديّ ما أفعله في حلب سوى الجلوس في بيتي، وهو عبارة عن شقة في الطابق الأرضي اشتراها أبي كي أكون قربهم، وكانت الأطعمة تصلني من الطابق الأول حيث يقطن أهلي، وفي ذروة الملل والضجر طرق بابي شابان معجبان بشعري وبشخصيتي، أحدهما يدعى عناد، وهو شاب أسمر متوسط الطول ذو بنية قوية، والثاني يدعى عبودة، وهو بطول عناد، ولكنه مهلهل الجسم, كان عناد يحب أن يكون ممثلاً بينما كان عبودة يحب الشعر، وكانا متفقين على أشياء كثيرة بصمت، فالقهوة يصنعها عناد بينما يتخصص عبودة بصنع الشاي، والفشل في الدراسة أمر مشترك بينهما، فالاثنان لم يتابعا الدراسة، ولكنهما يعملان، عبودة دهان محترم بينما عناد يعمل مع شقيقه كشريك في محل للألبسة ساهم عناد بجدارة في إفلاسه.

كنت مثَلُهما الأعلى في كل شيء، وقد أصبحا مقيمين ببيتي ومسؤولين بشكل مباشر عن حياتي..
صباحاً تأتيني القهوة إلى سريري، فأشربها مع عناد، وما إن ننتهي من ذلك حتى يكون عبودة قد جاء بالفول والحمص. وكانا لا يتحرجان من خدمتي أمام الضيوف، فإذا طلب الضيف القهوة يكون عناد قد جاء بها بلمح البصر، وإذا طلب الشاي يكون عبودة جاهزاً.

في البداية كانا صامتين في أثناء وجود الضيوف، ولكنهما شيئاً فشيئاً أصبحا متحدثين بل وبدآ يدخلان في نقاشات مع أصدقائي الأدباء بشكل محرج بالنسبة إلي، فهما لا يفقهان شيئاً عن المواضيع التي نتحدث بها عادة، ولا علاقة لهما بالثقافة أصلاً إلا إذا اعتبرنا قصائدي ومقالاتي التي قرؤوها ثقافة، ولكن الإحراج بدأ يكبر عندما وضعا نفسيهما في موقع المدافعين عن وجهات نظري في أي موضوع نتحدث به، فكانت الشتائم تنهال على الكاتب الذي يعارضني في أية فكرة، والغريب أن أصدقائي الأدباء كانوا يتقبلون ذلك من هذين الأميين.

كانا يعتبرانني أهم شاعر في العالم وأهم صحفي في العالم، وكانت الكلمة التي أقولها تدون على أوراقهما فوراً كأقوال مأثورة، والمقالة التي تنشر لي تعتبر حدثاً عظيماً، وكان كل الكتاب الذين يزورونني أعداء لي حتى يثبتوا العكس، لذلك كانا يضطهدان ضيوفي دون أن يعيرا انتباهاً لملاحظاتي الدائمة لهما بالتزام التهذيب مع الضيوف، وكانا يستسخفان كل الأسماء التي ترد في حواراتهما مع ضيوفي، فمحمود درويش لا مجال لمقارنته بي، وأدونيس اتصل البارحة ثلاث مرات من فرنسا كي يطمئن على كتاباتي.. إلخ.
كنت أصاب بخجل مريع عندما كانا يكذبان بهذا الشكل الفاضح، وكانا يسكتانني كلما حاولت التدخل، والغريب أن الأدباء كانوا يصدقونهما. وهكذا أصبح محمود درويش يسرق من قصائدي، وأدونيس يتمنى أن يحادثني تلفونياً، ورياض الريس يلح علي لكي أنشر ولو مقالة بسيطة في مجلته اللندنية "الناقد". حتى أن عبودة تجرأ ومسح الأرض بالمتنبي مستنداً إلى قصيدة يقول المتنبي في مطلعها الذي أصبح موضة عند الشعراء: "على قلق كأن الريح تحتي"، وكان عبودة قد حصل على معلومة خطيرة تفّه بها هذا المقطع، واستطاع إقناع عتاولة الثقافة بوجهة نظره التي تقول إن حصان المتنبي كان يدعى "قلق"، وهذا يعني تحطيم المجاز في القصيدة وتحويلها إلى قصيدة في مدح الحصان لا أكثر ولا أقل.

ولكي لا يفارقاني طويلاً بدآ بممارسة عمليهما في بيتي، وصار طبيعياً أن أستيقظ صباحاً لأجد عبودة يلقي محاضرة بذيئة على عمال ورشته، فهذا لم "يحفّ" الباب جيداً، وذاك لم يمعجن الجدار كما يجب، أما عناد، فكنت أستمع إلى مساوماته مع مهربيّ الألبسة وأنا على سريري. في البداية لم أكن أجرؤ على الخروج من غرفتي، ولكن الفضول قادني إلى الصالون لأجد عمال ورشة الدهان بملابسهم الملطخة ينهضون لتحيتي وهم يبدون إعجابهم بمقالاتي وقصائدي وسط ابتسامة فخر واعتزاز من قبل معلمهم عبودة. ومرة أخرى رحب أحد المهربين بي وهو يتلو مقطعاً من شعري.

بعد فترة، بدأ المريدان يغيبان طويلاً عن البيت لأكتشف أنهما أصبحا يجالسان أدباء المدينة في مقهى القصر، بل ويسكران مع كبار الأدباء في النادي العمالي، وبدأ الأدباء بطلبهما على تلفوني الشخصي، فأصبحت فجأة عامل سنترال عندهما، بل إن عبودة كان يغمزني لأقول لأديبٍ كبيرٍ إن عبودة غير موجود، وكذلك كان يفعل عناد مع المسرحيين الكبار، ولكن ولاءهما لي ظل كما هو، وبقيت مثلهما الأعلى والسقف الذي لا يسمحان فيه لنفسيهما بتجاوزه.

كنت مشهوراً بمداخلاتي الساخرة واللاذعة سواء في الأمسيات الأدبية التي يتلوها حوار مفتوح، أو في مهرجانات المسرح التي يُفتح فيها الحوار بعد كل عرض، ولكني في تلك الفترة كنت مصراً على عدم الخروج من المنزل بسبب حالة طويلة من الكآبة لازمتني حتى مجيء المريدين إلى حياتي. وكان من الطبيعي أن أخرج من المنزل لحضور أمسية أدبية لعدة شعراء متوسطي الموهبة رضوخاً لأوامر المُريدَين، وفي أثناء الأمسية كان عبودة يبصق على الأرض ويقول : "تافه"، وعناد يتنحنح بصوت عال عند كل مقطع لا يعجبه. كنت خجلاً منهما خاصة عندما كان الحاضرون ينظرون إليهما باستغراب واستهجان. وما إن بدأ الحوار حتى كان عبودة أول الصاعدين إلى المنبر، واستطاع بلمح البصر أن يجذب الحاضرين إليه بعد أن اعتبر كل ما قيل من شعر هو شعر تافه مفبرك، ثم أشار إلي لأصعد وأقول رأيي، فصعدتُ مرغماً لأن عناد كان قد جرني ودفعني إلى الأمام.

وقبل الصعود إلى المنبر التصق بي عبودة وهمس لي أن أمسح الأرض بجميع الشعراء الذين قرأوا شعرهم، ففعلتُ ما طلب مني بطريقتي الساخرة وسط تصفيق عبودة وعناد، فما كان من الصالة إلا أن تصفق بسبب العدوى.

وبعد أيام، أخذاني إلى مهرجان للمسرح. وفي أثناء العرض المسرحي كان عبودة يصرخ معلقاً شتى أنواع التعليقات لأن العتمة كانت تلف الصالة، فكان يقول للممثل: "مو هيك يا جحش"، وينادي الآخر :"خود إضاءتك يا تيس"، وسط ضحكات الجمهور الذي بدأ يشارك بالتعليق البذيء حتى انقلب العرض إلى فوضى متكاملة، وتحول الممثلون أشباحاً خائفة وخجلة من نفسها، وعندما بدأ الحوار كان عناد وعبودة قد رفعا لي يدي، فرحب بي مدير الندوة، واضطررتُ إلى الصعود بعد توصيات عبودة وعناد بأن أمسّح الأرض بالعرض، وبالفعل قمتُ بالواجب، وكان الجمهور يصفق لي على أثر تصفيق عبودة وعناد بعد كل جملة كنتُ أقولها.

وفي اليوم التالي، سمعت عبودة يتحدث على التلفون مع مخرج مسرحي ويطمئنه بأن "الأستاذ" -أي أنا- سيمتدحه في ندوة اليوم. وعندما اعترضت على طلبه استطاع إقناعي بأن هذا المخرج مسكين ومحارب وأن كلمتي بعد عرضه ستساعده على تجاوز محنه جميعاً، خاصة وأن زوجته مصابة بالسرطان وسوف تموت قريباً، فما المشكلة إذا أفرحناها قليلاً قبل ذلك، وفي أثناء العرض كان عبودة وعناد يطلقان صرخات الإعجاب عند كل مشهد من قبيل "يا سلام" "الله أكبر"، ولما بدأ الحوار رفعا لي يدي بعد أن أشارا إلى امرأة شاحبة جالسة بالقرب منا : "شوفها.. هي زوجته للمخرج.. يا حرام".

نهضتُ مكتئباً من رداءة العرض ومن شكل الزوجة التي ستموت قريباً، وامتدحتُ العرض بشكل لا مثيل له وأنا أسترق النظرات إلى وجه الزوجة الشاحب.

مساءً كان عبودة وعناد قد تركاني وحدي بعد أن سمعت عبودة يحدد موعداً مع المخرج المسرحي نفسه في النادي العمالي ليسكروا مع الفرقة بمناسبة نجاح العرض، وكان عبودة يصر على المخرج ألا ينسى بأن يجلسوا في جناح العائلات، وهذا يعني أن فتيات الفرقة وزوجة المخرج موجودات في السهرة، ولم تنقض ساعتان حتى كان عبودة وعناد قد عادا بصحبة فتاتين من فتيات الفرقة، جلست معهم وشربنا النبيذ، وكان في بالي أن أطبّق واحدة لنفسي، ولكن عبودة طلب مني أن أنهض إلى غرفتي كي أنام لأن عندي لقاء هام جداً مع المخرج جواد الأسدي في الصباح، وما أن سمعت الفتاتان باسم جواد الأسدي حتى طلبتا مني أن أعرفهما عليه، فوعدهما عبودة بذلك بينما كان عناد يجرني إلى غرفتي.

لم أستطع النوم بالطبع وأنا أسمع حفيف القبل والتنهدات من الصالون، وأتخيل كيف يعانق كل منهما فتاته في حين كانت صورة جواد الأسدي وموعده الكاذب ومسرحياته تملأ فضاء غرفتي.

في الصباح، شربنا القهوة مع الفتاتين اللتين تنتظران قدوم جواد الأسدي وعلى جسديهما بعض العلامات من ليلة البارحة، خرج عناد من المنزل، ورنّ التليفون بعد ثلاث دقائق من خروجه، رفع عبود السماعة وبدأ يتحدث: "أهلين جواد.. لا والله الأستاذ موفاضي اليوم.. راسه عم يوجعه.. بكره انشا الله.. على تلفون.. أهلين جواد" . أصيبت الفتاتان بخيبة أمل بينما نظر إلي عبودة وقال: "اطّمن.. قردفت لك اياه". وبعد ثلاث دقائق، كان عناد يدخل ضاحكاً. حاولت مراراً أن أحصل على علاقة مع فتاة من الفتيات الكثر اللواتي يحضرن إلى بيتي دون جدوى، فقد كان عناد يقول لي: "أنت أستاذ كبير. هدول مو من مستواك.. خليهم يشتهوك بس"، وكنت أقتنع بأستذتي بينما كانا يغوصان في بحر من الملذات.

بعد شهر سمعت من الناس أن هناك عرضاً مسرحياً من إخراج عبودة، فمضيتُ إلى حضوره، وكان عناد هو بطل المسرحية. أما باقي الممثلين، فقد تعرفتُ على الفتيات منهن إذ حضرن إلى بيتي مراراً، بينما ظللتُ أشك في معرفتي بالممثلين الذكور حتى تذكرت أنهم عمال ورشة الدهان أنفسهم، وكان الدهان/الممثل منهم إذا التقت نظراته بنظراتي في أثناء أداء دوره يقول لي: "أهلين أستاذ"، ويتابع مونولوغه، وبعد انتهاء العرض، جلس عبودة وعناد وفتاتان ممثلتان إلى المنصة كي يبدأ الحوار.. نظر إلي عبودة، وقال: "تفضل أستاذ.. المكريفون معك".

وجدت نفسي خلف الميكروفون، وكانت نظرات عبودة وعناد تتضرع إلى كي أمتدح عرضهما البائس والتافه، وفعلت ذلك، فشكراني بنظرات ممتنة. وكرّت السبحة بعد ذلك العرض ليقدما أكثر من عشرة عروض مسرحية في ظرف ثلاثة أشهر. وكانا يصوران هذه العروض بثلاث كاميرات فيديو يقوم بعد ذلك أحد أصحاب محلات الفيديو بعمليات المونتاج، ووضع شارة لكل مسرحية تبدأ بـ عناد محمود في.. هاملت.. تأليف شكسبير.. إخراج عبودة عبد الله.. أو عناد محمود في البرجوازي النبيل تأليف موليير.. إخراج عبودة عبد الله.. وكان كل عرض من هذه العروض يعرض ليومين أو ثلاثة أيام لا أكثر بتمويل من المنظمات الشعبية التي ترعى الهواة على الدوام..

بقيتُ ممنوعاً من الخروج حتى بعد زوال كآبتي لأن المريدين كانا يرددان دائماً: "لا تكن شخصاً عاماً.. دع الناس تحلم بمشاهدتك". وكانا يخدمانني كالسابق رغم انشغالهما بالمسرح...

وفي إحدى السهرات الصاخبة، سكر أحد المدعوين، وبدأ بامتداحي وإبداء إعجابه بي لكثرة ما سمع عني على لساني عبودة وعناد، وكان واضحاً أنه يريد أن يكون مريداً جديداً لي بمباركة من عبودة وعناد خاصة أن عبودة قد صرّح بأن هذا المريد الجديد سيقيم "معنا" بالمنزل، إلا أن المريد الجديد لم يكن على مستوى المسؤولية، فقد اقترب من إحدى الفتيات، وبدأ بمعانقتها فوراً وهو يقرأ مقطعاً رومنسياً من شعري.. فما كان من عبودة إلا أن جره من شعره إلى الخارج من دون أن يكترث لحالة الإقياء التي انتابت المريد الجديد. خرج عناد خلف عبودة الذي سحب المريد الجديد إلى الشارع، فخرجت خلفهما تاركاً الفتيات يمسحن السجادة من مخلفات الإقياء.

كان المريد راكعاً على قدمي عبودة وهو يبكي: " أرجوك دعني أدخل وأقدم اعتذاري"، بينما كان عبودة يرفسه دون رحمة على وجهه : "اخرس وانقلع". أما عناد، فكان يمسك المريد الجديد ويصفعه بعنف ويبصق في وجهه وهو يقول له: "أنت بدك تضل حمار.. انقلع"، تدخلت حاسماً وأنا أرمق المُريدَين بغضب، فافلتا المريد الجديد، وأمراه بالعودة إلى المنزل.. أي منزلي.

في اليوم التالي، كان المريد الجديد يقوم بالأعباء المنزلية كلها بينما كان المريدان يضعان قصائدي أمامهما ويكتبان أشياء غامضة على الدفاتر إلى أن سمعت أنهما يطبعان كتاباً شعرياً من تأليف عبودة عبد الله وهو بعنوان "النخيل يذرف التمر". وبعد شهرين كان عناد يتأبط شرائط الفيديو التي تضم التسجيلات الكاملة لأعماله المسرحية، وكذلك كان يفعل عبودة بنسخ أخرى من ذات الشرائط مضيفاً إليها كتابه الشعري والمقالات التي كتبت عنه في الجرائد بأقلام كتاب لم أسمع بهم في حياتي، ويقومان بوداعي. تعانقنا وبكينا من شدة التأثر.. وسافرا، عناد إلى إيطاليا، وعبودة إلى ألمانيا، بعد أن أوصيا المريد الجديد بأن يأخذ باله مني ويقوم على خدمتي كما كانا يفعلان وأفضل.

بقي المريد الجديد عندي على الرغم من الحماقات الكثيرة التي ارتكبها، فقد ضرب أحد النقاد لأنه وجه ملاحظة إلى شعري في المقهى. كما أنه ذهب سكراناً بصحبة أحدهم إلى منزل إحدى صديقاتي، وكانت تسكن مع صديقة لها، وطرق الباب عليها وهو يترنح ويقول بالفصحى: "نريد نساء". كما قام بالتهجم على أبي في مكتبه لأنه لا يقدّر مكانتي الشعرية. وفي إحدى أمسياتي الشعرية أحضر مائتي شخص من جمهور فريقي الاتحاد والحرية إلى القاعة كي يملأها.

وفي اتصال هاتفي من عبودة علمت أنه حصل على الإقامة بألمانيا تقديراً لشعره ومسرحه المضطهدين والمحاربين في بلادنا. وكذلك الأمر بالنسبة إلى عناد الذي حصل على الإقامة بإيطاليا. وكان المريد الجديد يتحرق شوقاً للسفر إلى ألمانيا أو إيطاليا بعد أن أوصاه عبودة بأن ينجز عدة أمور لم يشأ المريد الجديد أن يصرّح لي بها.

عدت إلى دمشق تاركاً المريد الجديد وحيداً وحزيناً في حلب كما قال لي وهو يودعني. وبعد شهرين من إقامتي في دمشق، قرأت قصيدة له في جريدة " السفير " ملطوشة بكاملها من قصائدي. وبعد خمسة أشهر، قرأت قصيدة له ملطوشة أيضاً من شعري وقد ذيّلها باسمه وبجانب الاسم قرأت كلمة.. "امستردام".
..

٢٥‏/١٠‏/٢٠٠٥

رحلة إلى عين ديوار

"(هذا موضوع إنشاء كتبه تلميذ في الصف الخامس من مدرسة الدرباسية الموحدة في وصف رحلة قامت بها المدرسة إلى عين ديوار).

استيقظنا في الخامسة صباحاً وركضنا نحو باص 'الهوب هوب' الواقف أمام باب المدرسة، وكان ملوناً وجميلاً وقد كُتب عليه 'سكانيا يتكلم والفولفو يتألم'. وكان التلاميذ يقفون في الطابور بانتظام وهم يصعدون إلى الباص، وكان الأستاذ يحمل عصا مصنوعة من قضيب الرمان أهداه إياها ابن مدير الناحية، وكان كسلاناً، ولكن ترتيبه كان الأول دائماً، وكان الشيخ خضر السائق يشطف الباص، فكان التلميذ الذي يصعد يطرّطش التلميذ الذي خلفه بالماء. ثم قال لنا الأستاذ: 'اجلسوا في الخلف'، فجلسنا وقال لنا: 'تكتفوا'، فتكتفنا، وجلس أصدقاء الأستاذ والآنسات في الأمام بينما جلس الأستاذ والآنسة ريما في 'الجيم'(1) وانطلق الباص.. فصفقنا جميعاً، فقال لنا الأستاذ: 'اخرسوا.. شو مفكرين حالكم بالطيارة؟'. ووضع الشيخ خضر شريطاً للمطرب 'صلاحو'(2) وكان يغني أغنية كروانو، وكان الباص يطير طيراناً. انزعج الأستاذ من أغنية كروانو، وطلب تغيير الشريط، ولكن الشيخ خضر لم يقبل، فأخرج الأستاذ الشريط من المسجلة، فانزعج الشيخ خضر، وضرب 'فريناً'(3) قوياً، فتوقف الباص، وارتطمت رؤوسنا بالمساند الحديدية، وسالت الدماء من أنوفنا، ومسحناها بثيابنا، وعاد الشيخ خضر بالباص إلى الدرباسية، وكان الباص يطير طيراناً. أوقف الشيخ خضر الباص أمام باب منزله، وشد حبل الزمور، فخرجت زوجته أمينة، وصنعتْ له إبريق شاي أكرك عجم، فجلس على الكرسي الصغير وهو يدخن سيجارة الحمراء الطويلة، وجاء أصدقاء الأستاذ، وتوسلوا إلى الشيخ خضر أن يصعد إلى الباص، ولكنه لم يقبل، وكانت زوجته أمينة واقفة بجانبه فخورة به، ثم جاءت الآنسات وطلبن منه أن يصعد كي نذهب إلى الرحلة، فرفض أيضاً، ثم اعتذر منه الأستاذ، وطلب منه أن يصعد كي نذهب إلى عين ديوار، ولكن الشيخ خضر انزعج وقال : 'لن أذهب إلى عين ديوار إلا على جثتي'، وتذكرنا جميعاً درس البطل يوسف العظمة ومعركة ميسلون. ثم جاءت الآنسة ريما وقالت له : 'أنت أحسن سائق في العالم.. هيا نذهب إلى عين ديوار من أجل التلاميذ'، فنهض الشيخ خضر، وضرب زوجته أمينة، ورفس إبريق الشاي، وصعد إلى الباص.. وانطلق الباص من جديد، فقرصته الآنسة ريما من خده، وقالت له : 'شكراً يا خضر'، فضحك الشيخ خضر، ولمحنا سنه الذهبي، ورمى شريط صلاحو من النافذة، وكان الباص يطير طيراناً. وبدأ أستاذ الرياضيات يغني 'كنا ستة على النبعة'، وكنا نردّد وراءه 'أجا المحبوب صرنا سبعة'، وكان الأستاذ يصفق والآنسة ريما ترقص بعد أن خلعت إشاربها وربطته على خصرها، وكان صديق الأستاذ دربكجياً بعد أن ظنناه أستاذاً، وشاهدنا المناظر الطبيعية على الطريق، وشاهدنا الأنهار الجميلة والينابيع، وشاهدنا الزهور التي على شكل ساعات، وشاهدنا الجبال الخضراء والسهول الجميلة، وشاهدنا البقرة التي تسابق القطار ولم نشاهد القطار، وشاهدنا السدود التي تمنع الفيضانات وتولد الكهرباء، وشاهدنا الفلاح النشيط وهو يطرد الإقطاعي البغيض، وشاهدنا الفلاح النشيط وهو يحرث بالمحراث الحديث والفلاح العادي يحرث بالمحراث القديم، وكان المحراث الحديث أفضل بكثير، وشاهدنا رئيس الجمعية يدافع عن الفلاحين، وشاهدنا الصهيوني الجبان يهرب من أمام الجندي العربي، وكان الباص يطير طيراناً. ثم وصلنا إلى عين ديوار فقال لنا الأستاذ : 'اجلسوا تحت شجرة التوت'، فقال له حلّزو: 'ولكنها شجرة تين'، فقال له الأستاذ : 'اجلسوا تحت شجرة التين يا حمار'، وجلسنا، وكانت شجرة توت، ثم قال لنا الأستاذ: 'تكتفوا ولا تتحركوا، أريدكم تلاميذ شاطرين في الرحلة'، وبدأ يلعب لعبة الغميضة مع أصدقائه والآنسات بينما كان الشيخ خضر يصنع الجمر لأركيلته، وكنا نبكي ونسعل من الدخان ما عدا حمو ومامو لأن أباهما قصّاب. وكان الأستاذ يختبئ مع الآنسة ريما بين الأشجار، وعندما كانا يظهران كان فم الآنسة ريما يصبح أحمر مثل جمر أركيلة الشيخ خضر. ثم قال لنا الأستاذ: 'لا تسبحوا في النهر لأن فيه برّامات' وسبح هو والآنسات وأصدقاؤه، وكان الأستاذ يغطس تحت الآنسة ريما ويختفي، وكانت الآنسة ريما تصرخ ضاحكة :'آي'، ولكن آرتين لم يسمع كلام الأستاذ، وسبح في النهر، فغرق، فضربه الأستاذ ثم أنقذه، وصنع له التنفس الاصطناعي، وقال للآنسة ريما: 'هيا اغرقي بسرعة'. ثم قال لنا الأستاذ : 'هيا لنلعب بالكرة الطائرة'. قسّمنا ثلاثة فرق، فريق خلف الأستاذ ليجلب الكرة، وفريق خلف فريق أعداء الأستاذ ليجلب الكرة، وفريق في المنتصف مكان الشباك، وكان الأستاذ يضرب الإرسال القوي، فترتطم الكرة برؤوسنا وكان يقول لنا: 'وطّوا رؤوسكم يا عرصات'، ثم خسر الأستاذ، فمزق الكرة، وسمعنا صوت انفجارها العظيم، وضربنا جميعاً، وجلس يلعب بالطرنيب الـ 41. وفجأة قال الأستاذ '14':، فصفقنا له جميعاَ، وقلنا له عدد الطرنيبات التي في ورق خصومه، ولكنه لم يربح من الـ 14 سوى اثنين، فضربنا جميعاً، ومزق الورق، وقال لنا :'حضروا الطعام يا كلاب'، فهرعنا نحضر الطعام، وكان حمو ومامو يشويان اللحم لأن أباهما قصاب، وكان جاكو يغسل الصحون ورستم ينشفها، وكان ولاتو ينقل الصحون مع سلامو وشارو ويضعونها أمام الأستاذ وأصدقائه والآنسات، وقال لنا الأستاذ: أخرجوا صندويشاتكم لأن اللحم يوسخ أيدي التلاميذ، فأخرجنا صندويشاتنا، وبدأنا نأكل الزيت والزعتر، وكان صندويشاً لذيذاً، وكان الأستاذ وأصدقاؤه يأكلون الشقف والكباب والشيش طاووس. ثم بدأ الأستاذ يصب الماء في الكؤوس حتى منتصفها ثم يصب الماء فوق الماء فيصبح حليباً، ثم شرب الأستاذ كأسين من الحليب، فبدأ يغني 'لماذا يا بنفسج'، ثم شرب كأساً ثالثة، فمد يده على شعر الآنسة ريما، ثم شرب كأساً رابعة، فمد يده على شعر الآنسة سلوى، فصفعته صفعة قوية، وقالت له :'شو أنت أحول يا حقير'، فنهض الأستاذ غاضباً، ورفس كؤوس الحليب والصحون، وضربنا جميعاً، وقال: 'اصعدوا إلى الباص فقد انتهت الرحلة يا حيوانات'. وانطلق الباص من جديد، ولم يدق صديق الأستاذ على الدربكة، ولم ترقص الآنسة ريما، ولم يغن أستاذ الرياضيات 'كنا ستة على النبعة' ولم نرد وراءه 'أجا المحبوب صرنا سبعة'، ولم يصفق الأستاذ، ولم نشاهد المناظر الطبيعية، ولا الأنهار، ولم نشاهد السدود التي تولد الكهرباء وتمنع الفيضانات، ولا الينابيع، وشاهدنا الإقطاعي البغيض يضرب الفلاح النشيط الذي كان يستنجد برئيس الجمعية، ولكنه لا يردّ عليه، ولم نشاهد البقرة التي تسابق القطار، ولم نشاهد القطار، ولم نشاهد الفلاح النشيط وهو يحرث على المحراث الحديث، وكان المحراث القديم أفضل بكثير، ولم نشاهد الجبال ولا البحيرات ولا السهول الخضراء، ولم نشاهد شيئاً.. ثم عدنا مسرورين."