٢٧‏/١٢‏/٢٠٠٧

الوحدات... مسبِّبات الفرح


"خرج العاشق الغرّ من منزله بعد أن استعار موبايل والدته ولطش منه 1200 وحدة دفعة واحدة، بعد ابتكار ميزة تشحيد الوحدات التي اخترعتها شركات الموبايل عندنا، وهي ميزة تحث على التكافل الاجتماعي، والتشارك بالأفراح والأتراح، ولم تفوت شركات الموبايل فرصة الإعلان عن معرفتها بقيمة هذه الميزة التي ابتكرتها فأعلنت وبكل ثقة أن قمة الفرح عند المواطن السوري هي حصوله على الوحدات التي بواسطتها يتواصل مع بقية المواطنين الفرحين مثله أو الحزانى لعدم حصولهم على مسبب السعادة الأول «الوحدات»، لذلك ولأن قلب الشركات كبير فقد نبهت المواطن الفرحان إلى أنه لا يجوز أن يتمطعز على تخته ويتحدث عبر موبايله فرحاناً وجاره جالس يتأمل موبايله الأعزل من الوحدات حزيناً، وسبحان الله فإن الموبايل الخالي من الوحدات لا يرن أبداً!!..
وصل العاشق الغرّ إلى مقصف الجامعة وجلس مع أصدقائه ووضع موبايله على الطاولة بفخر واعتزاز، وكانت المعشوقة التي أعطاها رقمه منذ أسبوع جالسة معهم إلى الطاولة، وكان كلما سأله أحدهم إذا كان هناك وحدات في موبايله ناوله الجهاز بثقة وكرم قائلاً وهو ينظر إلى المعشوقة نظرة ذات معنى «أحكي ع كيفك معي 1200 وحدة»، ويبدأ الأصدقاء باستعارة الموبايل متحدثين منه تارة ولاطشين منه بضع مئات من الوحدات على أساس أنو ما راح يأثروا عليه، وفي هذه الأثناء تكون السيدة الوالدة قد استلمت رسالة من الشركة مفادها أنه تمَّ تحويل كل وحداتها إلى ابنها الحبيب العاشق الغر، وبالطبع فستصاب الأم بالجلطة بسبب الفرح الشديد لأنها استطاعت أن تهدي طفلها كمية كبيرة من مسببات الفرح وسيتم نقلها إلى أقرب مشفى حكومي طبعاً، وهناك ستعالج بشكل طبيعي ذاتي دون أي تدخل من الأطباء أو الممرضين لأنهم يتمتعون بمسببات الفرح طيلة الدوام وهم يتحدثون على الموبايل، وبعد أن تشفى الأم ذاتياً تقسم أعظم الأيمان أنها ستضع الموبايل من الآن فصاعداً في «عبّها» أسوة بالنقود.
يعود العاشق الغّر إلى المنزل وبعد أن يأكل البهدلات ويأخذ منه والده موبايله محاولاً استرجاع الوحدات المنهوبة ولكنه يفاجأ كما يفاجأ العاشق الغر بأن أصدقاءه نهبوا وحداته التي نهبها من السيدة الوالدة، ويدخل إلى غرفته وهو يمسح ريق والده يلي زي العسل من على وجهه، ويرن موبايله رنة وحيدة فيفتحه ليجد أن المعشوقة قد نخت وعملت له ميسد كول، وسرعان ما يستخدم العاشق الغر ميزة «حاكيني» مستعيناً بالشركة ولكن أصدقاءه لا يحاكونه على الرغم من الواسطة الثقيلة التي استخدمها ألا وهي الشركة أو «الجاهة»، وينتظر العاشق وينتظر إلى أن تصله نجدة سريعة من صديق مخلص ويحاكيه فيطلب منه أن يشحده بعض الوحدات كي يتحدث مع محبوبته بعد أن يشرح له كل التفاصيل، فيقول له الصديق المخلص أن يختصر في الحديث معها لأنه سيرسل له فقط عشر وحدات وهي يادوب تكفي لكلمة واحدة، ويفكر العاشق بعد حصوله على الوحدات العشرة بالكلمة التي يجب أن يقولها لمحبوبته ويصل إلى الكلمة المطلوبة بسهولة وهي «بحبك»..
أرأيتم لماذا أصبحت كلمة «بحبك» منتشرة ورخيصة إلى هذه الدرجة!!.."

٢٥‏/١٠‏/٢٠٠٧

قبلة يهوذا

"كنت جالساً في المقهى وعين الله علي،
وإذا بفتاة تنهض من وسط شلة من الشباب والصبايا وتقبِّلني من خدي غير الوردي، وتمضي عائدة إلى طاولتها وكأن شيئاً لم يكن.
أنا شخصياً دهشت، بس ما انزعجت؛
لأنو عملياً ومعنوياً كان الأمر لذيذاً،
وفكرت كم أنها لطيفة حتى عبَّرت عن إعجابها بهذه الطريقة الغريبة،
كما شجعتني القبلة المعجبة على التفاني في الكتابة،
وبدأت بالتفاني فوراً، وغرقت في الكتابة من أجل خدمة الجماهير والوطن.
وبدأ أصدقائي الكتاب والفنانون الذين يحبونني، على أساس،
بالنظر إلي، بعد حادثة القبلة العجيبة، على أنني سأصبح مغروراً وسيكبر رأسي وسأجن جنون العظمة، وأنتهي ككاتب، وهذا ما لا يريدونه؛
فهم يخافون علي من الغرور وشوفة الحال
مقتل كل مبدع.
وقد بدؤوا يأتون إلى طاولتي تباعاً، لينصحوني بألا يكبر راسي،
وأن هذه المعجبة ربما تكون من تلك الفتيات التافهات
اللواتي يعجبن بأي حمار يظهر على التلفزيون،
وليست من قارئات شعرك وكتاباتك كما تخيلت.
كما خفف بعضهم من شأن هذه الفتاة، ولزقوا فيها كم تهمة عالماشي،
مع أنها تأتي لأول مرة إلى المقهى.
على أية حال ما لكم بالأوصياء، فهدول شي منه كتير؛
أنا أعجبت بطريقتها في التعبير، خاصة وأننا نحب حاسة اللمس،
وتحديداً عندما تلمسنا الفتيات،
وقد غرقت في الحالة وتخيلت شلة الفتاة وأصدقاءها وهم يتحدثون عني وعن كتاباتي،
فكبر رأسي يا شباب
وترنمت أذني بسماع جمل متخيلة عني
'العمى شو ظريف.. معلم.. فهمان.. جريء.. بيفلج .. إلخ'،
وتخيلت كيف نهضت الفتاة التي قبَّلتني وقالت لهم جميعاً إنها ستأتي وتحادثني،
فقال لها أحدهم إنها ربما تقطع علي خلوتي وتزعجني
وتقطع حبل أفكاري الذكية والثمينة؛
مما جعل الفتاة تهتدي إلى فكرة تقبيلي بسرعة والانسحاب.
هززت رأسي موافقاً على ذكائها وحسن تصرفها،
على الرغم من أنها لو جلست معي ما كانت لتزعجني أبداً،
بالعكس ألنا الشرف.
المهم مالكم بالطويلة يا شباب رفعت رأسي قليلا خارج تأملاتي العبقرية،
فوجدت نفس الشلة وهم يطلبون من شاب منهم
أن يمشي بين أجنحة المقهى بطريقة معينة،
وكان الشاب ينفذ الأوامر التي كانوا يأمرونه بها بصوت عال،
ولم يطل بي الأمر لأن أعرف باستنتاجي وذكائي
أن هذه الشلة تلعب بالشدة لعبة 'أبو الفول' الشهيرة،
التي ينفذ فيها الخاسر عقوبات يفرضها عليه الرابحون،
وبالتأكيد تذكرت قبلة الفتاة لي وعرفت بأنها لم تقبّلني إعجاباً
إنما تنفيذاً لعقوبة؛ إذن انقلبت الأمور معي يا شباب،
فقد سقطتُ من برجي العاجي الذي وضعتني فيه تلك القبلة إلى أسفل السافلين..
العمى طلعت أنا العقوبة!!
وبدأت أتخيلهم وهم يتحدثون عني
'العمى شو تافه..
حمار مفكر حالو كاتب..
ليك الغبي عم يكتب بالقهوة..
ولي ما أبشعه..
ما أبشع هالشعرات..ما أغلظه'،
ثم تخيلت الفتاة وقد خسرت،
فوقفت بانتظار أن يصدروا أمر العقوبة عليها،
وكان أن تأملها واحد لئيم،
وقال لها فخوراً باكتشافه لعقوبة جديدة فقال
'روحي بوسي لقمان ديركي الغليظ'،
ويا لها من عقوبة!!."

٢١‏/١٠‏/٢٠٠٧

لا ألدغ بحَغف الغاء

لقمان ديغكي
لم تكن الحَغب على لبنان غيغ لطيفة حقاً ، فعلى الغ غم من الصُوَغ المغوعة والخطابات الهجومية والحماسية من جميع الأطغاف بما فيها جماعة الـ(عصغ) أو العدو الصهيوني الغاشم ، فقد شاهدنا على الشاشات ظهوغ شيخ شاب لطيف وشديد الشبه بالسيد حسن نصغ الله إلى حد التطابق الشكلي التام ، ولكن الأمغ لم يقتصغ على ذلك بل تعداه إلى التطابق الحغكي بما في ذلك من إشاغات وإيماءات والوصول إلى حد التطابق التام أيضاً حتى في الخطأ


فالشيخ الشاب اللطيف حقاً يلدغ بحغف الغاء ويحوله إلى غين كما يفعل السيد حسن نصغ الله تماماً !! تذكّغت الملكة الفغنسية ماغي أنطوانيت وكيف كانت تلدغ بحغف الإغ وتحوله إلى إغ !!
هنا تدّخل الملك وأصدغ قغاغاً يوجب به سكان باغيس اللدغ بحغف الإغ ونطقه إغ ، حتى تواغَث الأحفاد هذا التقليد اللطيف إلى عصغنا هذا .
ففكّغتُ وسألتُ نفسي " هل سيلدغ الشعب العَغبي بحغف الغاء كما هو واضح الآن ؟؟
لا أعغف فأنا لا أستقغئ المستقبل جيداً ، فهو غامض ومتقلب ومزاجي ، ولكنني أعغف جيداً من خلال قغاءتي للماضي أن الشعب العَغبي يحب أن يلدغ بالحغوف فله في كل زمان حغف يلدغ به ، طبعاً أستثني نفسي فأنا شاعغ وكاتب حغ ولا ألدغ خلف أحد حتى لو كان حسن نصغ الله .

٠٣‏/٠٩‏/٢٠٠٧

صبايا الوطن الحرّات


"إنه الضرورة القصوى في المجتمعات الذكورية، إنه المولود الذكَر الذي سيخلِّف الوالد في مهنته وفي بيته، إنه حامي الحمى وحامل الراية والشخص الذي سيكمل المسيرة الذهبية؛ لذلك نجد الذكور عندنا بالأكوام، لا أحد منَّا يوافق على إكمال حياته دون أن ينجب الولد المدلل، فترى زوجته تنجب البنت تلو البنت وهو يصر على الولد.

يصبح عدد سكان البيت الصغير ست بنات وما زال المعمل شغَّالاً، على أمل أن يأتي الصبي. يصبحن سبع وثماني بنات، ما حدا طايقهم سوى أبناء الجيران الصبيان، وما زال المعمل شغَّالاً؛ وهنا يطفح الكيل بالزوج فيتزوج فوق مرته بحجة أنها لا تنجب الذكور، ويبدأ المعمل الجديد بالإنتاج عالسريع دون الأخذ بعين الاعتبار شهر العسل وما شابه ذلك من أفعال ترفيهية، فالمهم هنا هو الإنتاج، وإذا ما سألت رجلاً عن عدد أولاده فإنه يرتبك إذا كانت خلفته بناتاً على الحل، فلا يحدد النوع بل يكتفي بالرقم، وإذا تمادى السائل، وهو غير المتسول، وسأله: 'صبيان أم بنات؟'، فإنَّ الأب يجيب بانكسار وصوت ضعيف 'بنات'، فيقول له السائل مطيباً خاطره: 'بتضل البنت أحنّ'، ويهز الأب رأسه موافقاً على مضض لأنه لم يسمح لبناته أصلاً بممارسة الحنان حتى؛ كان منهمكاً بإنجاب الصبي، لم يكن يلمسهن أو يلاعبهن، كان بكل بساطة يمارس عليهن فعل الوأد الجاهلي ولكن بشكل معاصر، فيبدأ بوأد صوتها 'اخرسي.. وطّي صوتِك' ثم يئد ضحكتها 'لا تضحكي.. عيب.. أنت بنت'، وبعد ذلك يئِد عقلها عندما يحس ببوادر تجليه، وبالنتيجة يئِد شخصيتها، أوببساطة أكثر يئِدها؛ تماماً كما كان يفعل الرجل في الجاهلية، فقط ينقص رجلنا المعاصر الرفش والكريك كي يرتاح ويدفن ابنته تحت التراب.
ثم يأتيك من يقول بأنَّ المرأة نصف المجتمع، طيب كيف!!!!!!
نعم نصف المجتمع.. هذا صحيح.. لكن نصف مجتمع موؤود، نصف مجتمع مقهور، نصف مجتمع إذا سمحت واحدة منهن لنفسها بالتمرد حوَّلوها إلى سلعة، لقد حوَّل مجتمعنا العظيم المرأة إلى عبدة في حالتها الطبيعية وإلى سلعة في حالات تمردها، حتى إذا تمردت داخل تمردها الأولاني ورفضت التحول إلى سلعة فعينك تشوف يا معلم، المدير يريد أن يطبّقها في العمل ويعرض عليها سيارة توصلها إلى البيت من مال أمه طبعاً مو من مال الدولة، والموظف الزميل يرد تطبيقها، والآذن شخصياً يريد تطبيقها، وإذا فشل كل هؤلاء في مسعاهم الجليل فإنهم يبدؤون بتقييمها، وأنتم تعرفون كيف يقيِّمون المرأة الحرة عندنا، يشلُّون عرضها، ويبدأ الآذن بمضايقتها إذا تأخرت ثانية على الدوام، ويرفض الزميل الموظف التعاون معها لأنها غير متعاونة برأيه، فالتعاون عنده شيء آخر غير التعاون اللي بنعرفه، وبالطبع فإن سمعتها لن تكون طيبة بالتأكيد، فهي الفلتانة والنمرودة والـ.
كل صباح وأنا أمشي في شوارع دمشق ألمح الصبايا وهن يركبن باصات النقل الداخلي في طريقهن إلى المدرسة أو الجامعة أو العمل، بأناقة ولا أروع، فأقول في نفسي كم أتمنى أن أتجرأ وأطرق على نوافذ الباصات وأصرخ: 'كم أنا فخور بكن وبحريتكن التي لم تستطع سيارات المدراء وتسهيلات الرفاهية المخصصة للجواري ومضايقات المتخلفين البشعين أن تسلبكم إياها'، وأريد أن أضيف: أنتن جميلات بشعركن المسترسل أو بإشارباتكن الحلوة، إلى درجة أرغب فيها بتقبيل دواليب باصات النقل الداخلي التي تحملكن يا صبايا وطني الحرَّات."

أوطان


"فعلى الرغم من أن معظم أبناء ' الشعب ' لا يملكون بيوتاً تؤويهم وتمنحهم الاستقرار بالتالي، وبالتالي فنحن شعب غير مستقر، وعلى الرغم من أن معظم أبناء شعبنا لا يملكون السيارات كي يهجُّوا أو يهاجروا أو يتغربوا ويغتربوا لا فرق، وبالتالي فنحن شعب مستقر بس رغماً عنَّا، وعلى الرغم من غياب الفروق الطبقية بين أبناء وبنات الشعب فالكل باستثناء طبقة صغيرة جداً نكاد لا نلمحها أندبورية وعايفين التنكة، وبالتالي فنحن شعب منسجم مع بعضه البعض، وعلى الرغم من التعامل اليومي بيننا نحن أبناء الشعب من جهة، وبيننا نحن باقي الشعب مع الفئة الصغيرة التي لا نكاد نراها ولكن من طرف واحد، يعني من طرفنا، لأن شعار تلك الفئة هو عجبك عجبك ما عجبك الله معك، بس الله معك على وين؟!
السفارات توقفنا على الدور انتقاماً منَّا لأننا لا نقف على الدور في وطننا أمام الأفران والمؤسسات الاجتماعية، والسفارات تعيد لنا جوازاتنا دون أن تعطينا الفيزا بعد لطش المئة دولار منا وإرسالها إلى المواطنين المتحضرين في الدول المتحضرة، ونذهب إلى حكومتنا لنستجير بها فتقول لنا ' خرجكن بتستاهلوا كل شي عم يصير لكم .. بدكن تهاجروا ها ؟!'.
شبابنا يعملون ليلاً ويدرسون نهاراً، 'حنظلة' عامل في بوب ليلي يعطيني طلبي ويقول لي ' أهلاً زميل ' فأتساءل عن أية زمالة يتحدث فيجيب بأنه يدرس الصحافة، وعمار الذي كان يدهن لي بيتي قال لي 'مرحبا زميل ' ثم اكتشفت أنه يدرس التمثيل شتاءً ويعمل دهاناً صيفاً وكذلك يفعل وسيم زميله في الدفعة، وتعمل أريج في نادي رياضي صيفاً وتداوم في معهد التمثيل شتاءً، بينما صديقي الذي يشطف الدرج عندنا 'حسن' فهو زميلي أيضاً في كلية الصحافة، وعادة ما يأتي ليشطف الدرج ونحن نتناقش في أمور 'مهنة المتاعب'، وتختلط الأمور علي فاساعده في شطف الدرج لأنني أعرف أنه زميلي ولكنني أخربط أحياناً .. هل نحن زملاء في الصحافة أم في شطف الأدراج، بل إنني اعتقدت أثناء حديثه عن مهنة المتاعب أنه يتحدث عن مهنة شطف الأدراج !!
إلى أين سيمضي الشاب السوري ؟!
الأبواب مغلقة، لا السفارات تحترمه، ولا الوطن يقدم له الدعم الكافي، ولكن يبقى أن هؤلاء الشباب سوريون ويحبون بلدهم لكثرة ما سمعوا عنها في كتاب القراءة، ولكثرة ما قرؤوا اللافتة التي تقول ' لكل إنسان في العالم وطنان .. وطنه الأصلي وسورية '، ومن شدة ولعهم بهذه الفكرة، وبعد أن يئسوا من كل السفارات اللئيمة، قاموا بالسؤال عن السفارة السورية في دمشق، وبالطبع فقد دلّهم عمو الشرطي قائلاً ' السفارة السورية .. تالت دخلة عاليمين '، وبحثوا وبحثوا عن السفارة السورية في دمشق ولم يجدوها فجلسوا يفكرون بحزن :
لكل إنسان في العالم وطنان .. وطنه الأصلي وسورية .. إلا السوري فلا وطن له"

٣٠‏/٠٥‏/٢٠٠٧

سهرة أدبية في اللاتيرنا

دخل أبو سعاد العراقي وهو شاعر بالضرورة إلى مطعم اللاتيرنا ولكن بصحبة امرأة هذه المرة , و لم يلتفت أبو سعاد لا يميناًَ و لا شمالا كي لا يضطر إلى الجلوس مع أحد بصحبة صيده النادر , إلا أن التفاتة لا إرادية بدرت منه إلى الطرف الأيمن سببت وقوف عشرين شاعراً من مختلف الجنسيات الشرق أوسطية احتراماً لأبي سعاد و " ضيوفه" ، وبادر الشعراء إلى الترحيب بصديقهم بحرارة لا متناهية , بل إن بعضهم هرع إليه وقبله ثم عانقه على الرغم من أنه كان يتمنى عدم حضوره قبل دقائق , وجلس أبو سعاد رغماً عنه بعد أن أجلس صديقته , و بلمح البصر كان " لورانس" قد أحضر كأسين فارغتين و صب بنفسه النبيذ الأبيض وقال : " أهلاًَ و سهلاًَ مدموزيل"، و انسحب ضاحكاَ بعد أن رأى الجميع سنه الذهبي ملتمعاً في فمه.

اتخذ أبو سعاد وضعية قائد الجلسة و رفع كأسه :" أصدقائي الأدباء جلستنا هذه ..... أدبية .... و معنا أختكم الآنسة ختام و هي شاعرة من القطر العربي السوري من الساحل الجميل" ، و قبل أن يتم جملته ارتطمت الكؤوس ببعضها البعض، و أحس أبو سعاد بانتصار جزئي كونه أكد أن الآنسة ختام هي " أختهم " مستثنياً نفسه من هذه الأخوة , ومع ذلك فقد تسابق الجالسون إلى الترحيب بأختهم الآنسة ختام التي انتشت، فأفرغت كأس النبيذ كاملاً في جوفها , و سرعان ما امتلأ الكأس من جديد، فافتر ثغر الآنسة ختام عن أسنان صفراء , و فجأة و دون سابق إنذار افتتح أحد الشعراء من الأشقاء السوريين الجلسة الأدبية قائلاًً" إن السياب كأحد الشعراء الرومانسيين ....

الشعر العربي بهذه الطريقة, معقولة تقول عنه رومانسي ... شنو هوة .. خََوَل ؟!!!"

و تبع الجميع أبا سعاد، و انهالوا بالشتائم على رأس السوري الشقيق بمن فيهم أشقاؤه السوريون , أما الفلسطينيون الجالسون على الطاولة، فلم يحركوا ساكناً لأن الموضوع لا يمس محمود درويش لا من قريب ولا من بعيد .

و بعد انهيار الشاعر السوري الشقيق انتشى أبو سعاد مما استدعى الجالسين أن يطلبوا منه قراءة قصيدة من تأليفه , ارتشف أبو سعاد قليلاً من النبيذ و تأمل الحاضرين ثم جاد : " لنخلة شاردة في غياهب السماء ... ", وتعالت الأصوات، و ارتطمت الكؤوس ببعضها البعض، و أجهش أحد العراقيين بالبكاء، و تحدث بشكل مبهم عن النخيل و الرمز الذي تحمله هذه الكلمة و هو يسترق النظر إلى الآنسة ختام , ثم أكمل أبو سعاد منتشياً : لنخلة شاردة في غياهب السماء/ لدماء دجلة وهي تتدفق عالياً ..." , هنا أجهش الجميع بالبكاء .بمن فيهم السوريون لأن دجلة يمر بالأراضي السورية أيضاً , أما الفلسطينيون، فلم تهتز شعرة في رؤوسهم لأن دجلة لا يصب في البحر الميت , ثم أكمل أبو سعاد واقفاً و بحماسة منقطعة النظير :" لدماء دجلة وهي تتدفق عالياً / تجش الحقيقة في صدري/و أجهش../ " و هنا أجهش الجميع بالبكاء بمن فيهم عمال المطعم الواقفين بعيداً , و تابع أبو سعاد : " وأجهش.. / لا مكان للجواسيس بيننا ..."

تبادل الجميع نظرات الشك و الريبة , تخيل كل منهم أن الأخر جاسوس يكتب فيه التقارير ليلاً ونهاراً , و لكن صوتاً مرتجفاً ظهر : " سنشرب حتى الثمالة يا أصدقاء على شرف هذه القصيدة العظيمة "، فانبرى أبو سعاد للموضوع مباشرة و صرخ : " لورانس... هات ثلاث زجاجات نبيذ أبيض ... و سجلها على البخاري ..." و البخاري ... , محمد ... موريتاني يعيش في دمشق منذ أكثر من عشرين عاماً , وهو يحاول قدر الأمكان عدم استفزاز أ؟حد لهول ما يشعر به من رعب العودة إلى نواكشوط , وهو_ أي محمد البخاري _ يتواجد في كل الأماكن العامة و الخاصة إلى درجة أنه كان جالساً معنا ذات يوم في اللاتيرنا و نهض الحلاج إلى التليفون وخابر كافيتريا الشام طالباً محمد البخاري، فرد عليه البخاري من هناك.

و دخل الحلاج و ناصر نعساني، و جلسا معي بالقرب من طاولة السهرة الأدبية، و سرعان ما انضم البخاري إلينا و هو يدخل مترنحاً من الخوف و ليس من السكر، و بدأنا بممارسة هواية شرب البيرة، و كان الحلاج يحدثني عن مغامرته في اليابان.

نظر أبو سعاد إلى طاولتنا، ورفع لنا كأسه ثم التفت إلى جلسائه، و طالبهم بالاستماع إلى قصيدة من تأليف الآنسة ختام و إلقائها , فساد صمت رهيب .

بدأت الآنسة ختام بالقراءة :" أيها الجسد المتعمشق / على حورة اللانهاية / تعملق / تجنس/ تناسل..."

ارتطمت الكؤوس ببعضها البعض، و طارت مفردات في الهواء واختلط بعضها ببعض مثل " جميل ... جرأة ضخمة ... شعر حقيقي ... تفجير لغوي هائل .. تجديد.. استخدام رائع للغة ... أحساس فريد بالجسد ... الخ...".

كادت الآنسة ختام أن تبكي لهذا النجاح الباهر، و تابعت :

"تعملق ... تجنس... تناسل/ أيها الجسد المتساقط / على هذايات الروح/ اضمر ... و اختبئ / في ركام اللغة اللازوردية / و في ثنايا ... الكلام"

وعلى الفور نهض الجميع و بحركة مسرحية موحدة رفعوا نخب الآنسة ختام : " ثورة على الجنس .. تحرر من التقاليد المجتمع ... تمرد على عبودية الجسد ... الخ"، وعندما سألوها أين كانت مختفية فيما مضى هي و شعرها بدأت الآنسة ختام بالحديث عن زوجها الظالم والتافه الذي كان يمنعها من كتابة الشعر و يحاصر أفكارها، فطلقته من أجل التفرغ للكتابة، و عندما عرف الجميع بأنها مطلقة وأن الآنسة ختام ليست بآنسة فعلاً دخل السرور إلى قلوبهم، وأصبحت محاولاتهم في التودد إليها أقوى وأكثر على الرغم من أن أبا سعاد كان قد حرمها عليهم جميعاً عندما اعتبرها " أختهم " و حللها لنفسه فقط.

وبطريقة عاصفة .. دخل الشاعر العراقي فايز العراقي وعرف عن نفسه للآنسة ختام، ووضع كيساً أسود على الطاولة وجلس , ثم بدأ يعدد دواوينه للآنسة ختام بما فيها التي لم تصدر بعد على اعتبار أن أجمل القصائد هي التي لم نكتبها بعد كما يقول ناظم حكمت , و فايز العراقي اسم مستعار كي لا يناله زبانية صدام حسين من الشاعر. وقد طبع ديوانه الأول بهذا الاسم المستعار، ووضع صورته على الغلاف الأول.

أخرج فايز العراقي ديوانه الجديد الذي خرج من المطبعة للتو وهو بعنوان " كريفونة الغياب"،و بدأ يقرأ منه بعض المختارات بشكل وقور، ثم بدأ يشرح للجالسين عن الكريفون :" الكريفون فاكهة جميلة تنبت على الساحل السوري الجميل وهي تنتمي إلى حزب الحمضيات و هي مرة وحامضة وحلوة في آن معاً ولها دور فعال في القضاء على أذناب وزرابية الكريب و الأنفلونزا"، و بعد أن انتهى من الشرح سحب الكيس الأسود، وأشار إلى فاكهة ضخمة هرت من تحته : " هذه هي كريفونة الغياب ".

لم يكمل جملته تماماً عندما دخل عنايت عطار، وجلس معنا , ولكن عنايت عطار نهض، و قال للجالسين مشيراً إلى الفاكهة التي على الطاولة :" هذه ليست كريفونة".

فامتقع وجه فايز العراقي صاحب ديوان " كريفونة الغياب"، وقال :" ماذا تقصد ؟" .ضحك عنايت عطار و قال له : " لاشيء .. فقط أحببت أن أبارك لك بصدور ديوانك كريفونة الغياب أولاً"، فنظر إليه فايز العراقي غاضباً وقال :" و ثانياً ؟! ".

أجاب عنايت عطار :" ثانياً هذه الفاكهة التي على الطاولة ليست " كر يفونا". هذه ... بوملي ".

بينما كان بقية الشعراء الشرق أوسطيين قد غرقوا في حالة سكر رومانسي على إيقاع قصائد الآنسة ختام التي طلّقت زوجها الحقير كي تتفرغ للأدب، حاول أبو سعاد أن يقرأ قصيدة جديدة بعد نجاح قصيدته الأولى، لكن الجالسين امتعضوا من الفكرة، وأصروا على أن تبقى الآنسة ختام وحدها شاعرة هذه السهرة على الرغم من كونها جاءت أصلاً مع أبي سعاد. تابع الجالسون تعليقاتهم المدائحية لكل قصيدة من قصائد الآنسة ختام، وتباروا في ابتكار المصطلحات ما بعد الحداثوية في توصيف قصائدها، وكان كل من يتحدث عن قصائدها ينظر إليها نظرات ثاقبة علّها تقع في غرامه، وتمضي من ثم معه إلى "مأواه". وهكذا فقد تحدث أحد الشعراء السوريين عن التحرر الجنسي في قصائدها، وتساءل عما إذا كانت صادقة أم أنه مجرد تأليف. ولم ينتظرها حتى تجيب، بل أجاب بنفسه معتبراً قصائدها صادقة وتحررها الجنسي في القصيدة يعبر عن أفكارها وممارساتها في الحياة، وقال في نفسه: إنها حتماً ستذهب معه رغماً عن أنف الجميع، أما الشاعر الفلسطيني، فقد ربط بين قصيدتها والقضية الفلسطينية وكيف أنها تحولت من الخاص إلى العام بسهولة لا متناهية وبطريقة رمزية شفافة، ولم ينس أن ينال من "أبي سعاد" ومحاولاته في الوصاية عليها على الرغم من كونها هاربة من وصاية الزوج السابق الحقير، وبعد ذلك نظر إلى الآنسة ختام، وحيّا فيها روح الحرية المتوثبة في أعماقها ثم حدّث نفسه بأن الآنسة ختام ستمضي معه إلى مخيم اليرموك في نهاية السهرة حتماً.

وما إن انتهى من مداخلته حتى أثنى عليها الشاعر اللبناني الذي سيعود إلى بيروت بعد يومين، وقال "برافو.. مش هي ختام تركت زوجها منشان تخلص من سماه وتصير حرّة؟!.. طيب ليش يا أبو سعاد عم تعمل وصي عليها؟!.. حلّ عنها يا خيّي.. اتركها تعيش لحالها بدون وصاية. يا خيّي أنتو السوريين كتير بتحبو الوصاية.. خلو العالم بحالها". هنا انقض عليه أبو سعاد قائلاً: "آني عراقي.. مين قلك إنّي سوري؟!". رد الشاعر اللبناني بهدوء: "مش مهم يا خيي.. المهم إنو شعرها كتير موديرن و بالتالي حياتها كمان موديرن.. مش هيك يا خيي أبو سعاد!". ثم صمت وهو يفكر في أعماقه أن الآنسة ختام ستمضي معه آخر السهرة إلى بيت عمه في باب توما غصباً عن اللي خلّف أبو سعاد.

وعندما لاحظ فايز العراقي أن الأجواء متوترة حمل كتبه وأوراقه ومضى إلى طاولة أخرى بعيدة، وقال لنا وهو يمر بجانبنا إن الجو مكهرب ولا علاقة له بالأدب على الإطلاق. وبالطبع لم نسأله شيئاً.

وقبل أن يستفيق أبو سعاد من صدمة الخيانات المتتالية، تدخل شاعر سوري، وحلّل قصائد الآنسة ختام بنيوياً، ثم حللها نفسياً، وخَلُص إلى أن عدم ارتوائها من الحب هو وراء الكآبة في قصائدها، وأنها الآن بحاجة إلى الحب كما تشي قصائدها الجريئة بذلك. وعقب بأن الرجل الذي تبحث عنه "ختام" متحرراً من الألقاب للمرة الأولى، ليس رجلاً عادياً، ولم ينسَ الشاعر السوري أن يفهمها في أثناء الحديث أنه يجلس في اللاتيرنا ظهراً ومساءً، وأنه يعيش وحيداً وحزيناً في منزل ذي إطلالة رائعة، وفكر بعد ذلك في أنها حتماً ستطلب منه المبيت عنده.

أشار أبو سعاد إلى لورانس أن يأتيه بزجاجتي نبيذ، وغمزه بعينه كي يسجلهما على الدفتر.

جاء النادل موسى بزجاجتين، وفتحهما ثم صب للآنسة ختام كأساً وقال: "أهلين بالأستاذة، شَعرك حلو كتير". ابتسمت الآنسة ختام، و رشفت رشفة من كأسها، وبدأت بقراءة قصيدة بعد أن استرقتْ نظرة وابتسامة إلى موسى:

"أخذتني أحزاني

إلى ما وراء اللغة

قذفتني الأعضاء

كنطفة وحيدة

تدور عمياء

في رحم الغياب.."

يا سلام.. ممتاز.. رائع.. قلق وجودي جميل.. ضياع الكائن.. إلخ. هتافات وكلمات من هنا وهناك حتى كادت الآنسة ختام أن تنفجر زهواً واعتزازاً.

نظر أبو سعاد إلى الآنسة ختام مبتسماً وفي عينيه حرمان أبدي، وطرق كأسه بكأسها وقال ملتفتاً إلى الآخرين: بصحة هذا الخراب الجميل، فرفع الآخرون الكؤوس، ووقف بعضهم الآخر، وفي هذه اللحظة مدّ أبو سعاد يده، ووضعها خلف ظهر الآنسة ختام من دون أن يلمسها إلا بمصادفات متعمدة.

قال شاعر: أنت جريئة في شعرك، فهل أنت كذلك في الحياة؟

ضحكت الآنسة ختام، وخفضت رأسها قليلاً دلالة الاستحياء، فقال الشاعر اللبناني: له شو مستحية يا ختام.. بحياتي ما شفت شاعر مستحي؟! أنتو السوريين شعب خجول.

ردّ عليه شاعر من طاولة أخرى يبدو أنه كان يستمع إلى الحديث: بلا تنظير على الشعوب يا أخي.

ردّ عليه الشاعر اللبناني بحنق: عم تتجسس على حديثنا يا أخ؟!

هنا انقض أبو سعاد عليه: تقول عن صديقي جاسوس.. ما أسمح لك.

هدّأت الآنسة ختام من روع أبي سعاد، ولكن شاعراً آخر تدخل، وبدأت الكلمات تتطاير من هنا وهناك إلى أن بدأت المعركة بصوت زجاجة انكسرت في الحال، فقلب أحدهم الطاولة مباشرة على اعتبار أنه لم يتحدث قط في هذه السهرة الأدبية. وجاء الجاسوس المفترض لحماية أبي سعاد، وتعالت القبضات وسط تدخل الناقمين بينما كنا نشرب البيرة بهدوء ونحن نستمع إلى إحدى مغامرات الفنان الحلاج في اليابان، صرخت الآنسة ختام وسمعناها تقول : "أوقفوا هذا الخراب الجميل". ثم اختفى صوتها وسط الأصوات المنددة، وارتفع عدد المتعاركين كما ازدادت مساحة أرض المعركة. تطايرت الكراسي في الهواء وصحون السجائر والملاعق بينما لم يمد أحد يديه إلى السكاكين، فكان المحارب يمد يده ليرمي شيئاً، فيجد سكيناً عندئذ يتركها ويأخذ ملعقة.. وهكذا.

وقف لورانس وسط المتعاركين وقال: جاءت الشرطة. فجلس الجميع كل في مكانه. ثياب الجميع ممزقة. وشعورهم مشعثة. طلب لورانس من عمّاله أن ينظفوا المكان بسرعة ثم رمى الفاتورة على الطاولة، ولكن أحداً لم يتصدَ للحساب. تبادل الجميع النظرات، ولاحظوا غياب الآنسة ختام، ولكنهم فكروا جميعاً في وقت واحد أنها بلا شك في الحمام..

وانتظروا، وانتظر لورانس أيضاً ريثما يحاسبه أحدهم.

أوقف النادل موسى سيارة أجرة، والتفت إلى الآنسة ختام، تفضلي، صعدت ختام، وصعد النادل موسى بجانبها، وقال للسائق: على دف الشوك لو سمحت.

٢٤‏/٠٥‏/٢٠٠٧

لبنان

"بدأت علاقتي بلبنان منذ أن كنت طفلاً يعبث قرب الحدود التركية ـ السورية في بلدة الدرباسية عندما شاهدت سيارة استطعت أن أهجّئ كلمة مكتوبة على لوحتها لـ بـ نـ ا ن، كلمة ستظل مرافقة لي فيما بعد وستكون اسماً لشخص غامض سيقف بجانبي ويساندني طيلة حياتي.. لبنان.

وعندما انتقلت إلى حلب بدأت أتعرف على لبنان أكثر، من القادمين السوريين والأساطير التي كانوا يحكونها لنا، ومن أحاديث صديقي محمد حنَّان الذي كان يكبرني بعامين. كان والد محمد يعيش في لبنان معظم الوقت، وقد عرف محمد عشقي للسينما فبدأ يحدثني عن دور السينما هناك. بعد ذلك بدأت المراهقة وبدأت مساندة لبنان لي تكبر شيئاً فشيئاً.


أخرجتْ ابنة عمي أمل صورة لها ملتقطة بالكاميرا الفورية (بولارويد) وهي طفلة ترقص على
الطاولة وبجانبها مطربي المفضل طوني حنا، فتحرك الدم في عروقي: من أين تعرفين طوني حنا وكيف وأين؟!.
كل شيء جميل يجب أن يحدث في لبنان، هذا ما فكرت به في تلك اللحظة، تشاجرت مع أهلي كعادة أي مراهق، فنصحني صديق لي بالهرب إلى لبنان. وهربنا. ودخلنا إلى بيروت، فشاهدنا الحلم بأعيننا، ولم تبق دار للسينما لم ندخل إليها. ثلاثة أيام نمنا فيها ببيوت عمال سوريين لا نعرفهم حيث أُرسلنا إليهم من طرف صديق لنا في حلب. وعُدنا، بدأنا نسرد رحلتنا لأصدقائنا بعد أن دفعنا ثمنها من الركلات والصفعات ما أعجز عن وصفه الآن.
وهكذا فإن لبنان كان ملاذاً لكل متمرد على أهله من أصدقائي. كنا نقول للهارب أين يذهب وأيّ شارع يمكنه إيجاد مطعم جيد ورخيص فيه؛ أسماء لدور السينما و.. و..، ثم بدأت لوثة الكتابة وبدأ فصل جديد من العلاقة مع لبنان: هذا مقال ممنوع.. أنشره في لبنان.. هذا كتاب ممنوع.. أنشره في لبنان.. لبنان، كنتُ أحب فتاة في حلب ولكننا كنا نلتقي في لبنان ، حتى في الحب وقف لبنان إلى جانبي.
في بداية التسعينات كنا نصدر مجلة 'ألف' من لبنان، مضينا أنا وسحبان السواح إلى بيروت وسلّمنا المطبعة 'بلاكات' العدد الأول، عاد سحبان بينما فضَّلتُ أن ألتقي بأصدقائي هناك، نمتُ ليلة عند يوسف وكان القصف شغالاً، قال لي يوسف: لا نستطيع النوم من دون قصف، وضحك..
كنا نذهب إلى مقهى ويمبي ثم إلى بار شيه أندريه. ؟!!
كنتُ أذهب مع عمي باستمرار إلى لبنان ودائماً هناك سبب، لتبديل إطارات السيارة.. لبنان، للدفع والقبض.. لبنان، للسهر والمرح.. لبنان، دائماً كنا نذهب إلى لبنان إلى أن كبرت وصار لي أصدقاء وشعراء في لبنان فتخليت عن عمي.
نمت عدة ليال عند الفنان السوري فصيح كيسو في الحمرا ببيروت. كانت المياه شبه منعدمة في الحنفيات ولكن الفضاء كان حرّاً وبهيجاً. لم أفكر بالإقامة في بيروت لأنني كنتُ وما زلتُ مدمناً على دمشق، ولكن الكثير من الكتّاب السوريين أقاموا هناك. وكان القادم من بيروت من الكتاب يحكي عن أسطورة العيش هناك، عن سهولة إيجاد الموهوب لمكان يعيش فيه من موهبته. ولكن الأمر لم يكن يخلو من الطرائف أيضاً، فقد ذهب شاعر سوري إلى لبنان من حلب مباشرة ثم عاد بعد ثلاثة أيام إلى دمشق واستغرب عدم وجود فتيات في مقهى الروضة الشعبي؟!! هلأ في بالروضة نسوان.
قلتُ إن هذا الشاعر يظن نفسه مستشرقاً، الفتيات في دمشق مقيمات في المقاهي ولكن هذا الشاعر لا يعرفها. ومرة جاء شاعر آخر بعد زيارة لمدة يومين إلى بيروت متحدثاً إلينا باللهجة اللبنانية علماً أنه حافظ على لهجة قريته لمدة عشرة أعوام من تاريخ إقامته في دمشق!!.. أي سحر إذن فيك يا لبنان؟!..
كل الشعب السوري له علاقة مع لبنان بشكل أو بآخر ، الطفل الرضيع جاءه حليب 'البيبيلاك' من لبنان، والذي يَحْبو جَاءه 'السيريلاك' من لبنان، والمراهق حصل على 'الأديداس' من لبنان، الطفل حصل على الموز من لبنان، وستّ البيت حصلت على المايونيز من لبنان، حتى المتدين حصل على البيرة بدون كحول من لبنان..

ـ أريد أن أتزوج ولكن هناك مشاكل مع الأهل ولا أحد موافق!!..
ـ اذهب إلى لبنان..
ـ أريد دخاناً أجنبياً..
ـ اجلبه من لبنان..
ـ دواء للصغير.
ـ أرسل أحداً إلى لبنان.
ـ كتاب جديد صدر أريد نسخة منه.
ـ اطلبه من لبنان.
ـ كتابي منع هنا، كيف سأطبعه.
ـ في لبنان..
ـ الديون تلاحقني والناس تحاصرني.
ـ اهرب إلى لبنان.
ـ الشرطة تسأل عني.
ـ اختف في لبنان.
ـ أحتاج إلى نقود وما من عمل هنا؟!..
ـ اعمل في لبنان.
ـ مقالي لم ينشر هنا..
ـ انشره في لبنان..
لبنان.. لبنان.. لبنان.. هذه الكلمة السحرية التي ظلت ملازمة لي منذ أن تهجأتُ اسم لبنان على لوحة سيارة، أعتقد ببساطة أن شخصاً ساندني طيلة حياتي وكان اسمه لبنان."