٠٨‏/٠٧‏/٢٠٠٨

لوندبوري وهيلينز


"لوندبوري مدينة صغيرة تبعد مسافة 123 ميلاً عن لندن، يعني إذا صرّفناها عالسوري بتطلع شي 200 كيلومتر، ونحن كنا مشاركين في مهرجانها الفني الأدبي السنوي، وكما أسلفنا فقد أقمنا في قصر هيلينز، وكانت مجلة بانيبال المختصَّة بنقل الأدب العربي وترجمته إلى الإنكليزية، وكان توري مونثي قد درس العربية في الشام، وكان هو

من قرأ شعرنا بالإنكليزية، هو استلم القسم الرجالي يعني منذر مصري وأنا، بينما استلمت القسم النسواني يعني هالا محمد ورشا عمران رئيسة تحرير بانيبال السيدة مارغريت أوبانك التي سمَّاها الأدباء العرب بوزيرة الثقافة العربية، وكنا نقرأ شعرنا بالعربية كي يسمع البريطانيون موسيقا اللغة العربية وإيقاعات حروفها الساحرة، وبعد القراءة الأولى أصبحنا معروفين في البلدة، وصار الترحيب فينا من ضرورات إقامتنا، وكانوا مثلنا يتمنُّون أن نزورهم في بيوتهم، لطفاء ومبتسمين، وتوَّاقين للمعرفة حتى وهم في السبعين والثمانين والتسعين من أعمارهم، وكنتُ قد أصبحت معروفاً من قبل توماس الذي يعمل في دائرة كنتُ أستخدم إنترنتها لإرسال هذه الكلمات لكم، ومساء شاهدتُه يحضر الأمسية فتبادلنا التحية، وشاهدتُ شاعراً ليتوانياً كبيراً، وآخر كبيراً أيضاً من لاتفيا، وآخر من لندن، وتعرَّفنا إلى أرواح الشعراء وملامحهم، ثم دخل جميع المدعوِّين إلى القصر تلبية لدعوة العشاء الضخمة التي وجَّهها لهم آدم مونثي صاحب قصر هيلينز على شرفنا أو على شرف الشعر السوري، وكان أنَّ الشيف نيك وليس رمزي قد صنع أطباقه من وحي المطبخ السوري إمعاناً في التناغم مع قراءاتنا، وعرفتُ أنَّ الأمر لم يكن اعتباطياً، فلقد قدَّموا الموسيقا العربية مع قصائدنا، وبعدها قدَّموا العشاء السوري، مما جعل اللوحة السورية أكثر تكاملاً، ولمَ لا .. فالطعام وأنواعه ثقافة، وليس بالشعر وحده يحيا الإنسان، وكان الشيف نيك قد طلب مني أن أدّعي أنَّ الطعام الذي صنعه هو لذيذ تماماً ومتقن أكثر حتى مما قد يطبخه الشيوف السوريون، وبالطبع فلقد لبَّيتُ نداءه، وقلتُ الحقيقة قبل أن أذوق الطعام، وقلتُ بأنه ألذُّ طعام سوري ذقته، فانبسط الشيف نيك من نزاهتي وإنصافي، خاصة أنني لم أكن قد ذقت الطعام بعد، لكنني كنتُ راضياً عن كذبتي، لأنَّ ما فعله نيك كان يدلُّ على أنَّ الثقافة جزء من حياة كل إنسان، وأنَّ البشر يستخدمونها في حياتهم اليومية، وأنه ولمجرد معرفته بأنواع الطعام السوري فقد أجاد وأطرب وألهم، وألهم هنا آتية من الالتهام وليس من الإلهام، فقد التهم المدعوُّون الطعام وهم ينظرون إلينا بإعجاب وكأننا نحن الذين طبخناه، فقلتُ أن يشكروا نيك الطباخ، فقالوا إنهم يشكروننا لأننا من سورية بلد هذه الأكلات، فهززتُ رأسي من جديد معجباً بهم، وقلتُ كم أنَّ آدم كريم وقد دعا كل هؤلاء الناس، وقلتُ أيضاً كم أنهم كرماء ولكنهم لايكتبون القصائد عن ذلك، ولا يدوِّنون ذلك في أدبياتهم، ولا يتغنُّون به في مواويلهم، فهناك لن تجد أحداً يذبح لك خروفاً أمام باب بيته معلناً للبلدة كلها أنه عزمك، لا.. هناك ستدخل إلى البيوت كما لو أنك واحد منها، وستخرج منها كذلك، دون أن يعرف أحد خارجاً ما إذا كنت قد أكلت خاروفاً أو ديكاً رومياً أو دجاجة، تدخل وتخرج والابتسامات المحبة تحيط بك، والمودَّة تحملك على كفوفها الناعمة."

٠٧‏/٠٧‏/٢٠٠٨

هنا لندن


"هبطنا في مطار هيثرو ويا ليتنا ما هبطنا يا معلم، ما عاد فيك تدخن، وين ما رحت ممنوع التدخين، في المترو ممنوع، في المدرسة ممنوع، في الجامعة ممنوع، في المطعم ممنوع، في البارات حتى ممنوع، وفي الفنادق ممنوع، بل وممنوع في الغرف أيضاً، لم يعد هناك مكان تحت السقف في بريطانيا يمكنك أن تدخن فيه، ممنوع، !!
وتدمَّرت طبعاً، وتذكرتُ صديقي العراقي الذي قال لي إنه مُدَمَّر في المنفى، وعرفتُ الآن لماذا هومدمَّر، فهو يبحث عن مكان يدخن فيه بالتأكيد، وبالتأكيد إنه لم ولن يعثر على ذلك المكان، بل وإن ما دمّرني أكتر الشي هو أنني لن استطيع أن أضع سيكارتي بين أصابعي وآخذ هديك السحبة، وأنفخ هديك النفخة في وجه محدّثي قبل أن أنطق جواهري، لا .. ليس بإمكاني ممارسة هذا الطقس، كما أنه ليس بإمكاني أن أضيِّف محدثي سيكارة في عزّ حديثه مشتتاً انتباهه، ومنفّساً لحماسه، كما فعل الأشقاء الإماراتيون بمنتخبنا عندما قطعوا عليه الكهربا، وقالوا له يا مرحبا، وهو ربحان بهدفين، وطاحش ليحط التالت، المهم مالنا بهداك الحديث اللي بيهز البدن، وخلونا بموضوعنا، فالجماعة كافحوا التدخين وقدروا ينزّلوا من حجم استهلاكه في بلادهم، وعلى الرغم من أنني مدخن عجيب، فلقد لم أنزعج، ولقد لم أتضايق، ولقد ذكرتكِ والرماح نواهل مني، وتذكرتُ أيامنا في الأندلس وليالينا، وتذكرتُ مسك دارينا، ولكن أحد من الإنكليز لم يدارينا، وبقيت ممنوعاً من التدخين، وصارت حياتنا نحن المدخنين صعبة، وأصبحنا نستأذن لنطلع ندخن سيكارة برة بعز الحديث، وخاصة إذا ما كان عاجبنا، كما أننا حتى لو كنا معجبين بالحديث وبالمحدثين فلا بدَّ من التدخين، سوسة يا أخي سوسة، لكن بيني وبينكم فلقد تعوَّدنا، وفي السيارات جلسنا دون تدخين، وفي المطاعم أكلنا دون تدخين، وتحت السقوف حتى التوتياء منها جلسنا دون تدخين، وشاهدنا المدخنين أمام أبواب المطاعم يدخنون، وأمام أبواب الفنادق يدخنون، وأمام أبواب الجيران يدخنون، وأمام أبواب السفارات يدخنون، ثم يعودون إلى أماكنهم، هادئين وادعين طيّبين وغير مدخنين، وللجو غير ملوّثين، ولرئات الآخرين غير منتهكين، ولعيونهم غير عامين، ولأنفاسهم غير حارقين، فالتدخين السلبي أثبت أنه موجود، وأن الزلمة اللي قاعد مع مدخن بيدخن معه بكل تأكيد، وبالتالي وبكل تأكيد سيمرض بالأمراض إياها تبع الدخان والتلوُّث والمازوت والبنزين، صحيح بالمناسبة وعلى اعتبار أنو أنا بالغربة بلندن شو أخبار المازوت، إن شاء الله ما يكون غلي كمان، وشو مشان البنزين، إن شاء الله ما يكون علي بهاليومين، وشو مشان الدخان، وشو مشان حزام الأمان، وأمان يا لاللي أمان.
وخرجنا من لندن إلى الأرياف، وشاهدنا على مرامي الأنظار، ذلك الخَضار، وتلك الأشجار، وتذكرتُ عيد الشجرة، وتذكرتُ كم واحدة زرعتُ بيدي، وتذكرتُ أنني لم أسأل عن تلك الشجرات من تلك الأيام، لأنو السؤال لغير الله مذلة، وبالشكر تدوم النعم، فهل نحن من الشاكرين، ومن المفيد أن نقول إن الشكر ليس بالقول، وإنما بالفعل، فهل نحن كذلك حقاً"

مبارح العصر بالقصر


"على طريقة أمور لا تصدَّق فلقد استضافنا قصر هيلينز ليومين وليلتين في رحابه، وأول مبارح العصر تحديداً وصلنا للقصر، وهو قصر أخَّاذ تسكنه عائلة مونثي، وهكذا فلقد فرزوا لأختكم رشا عمران مخدعاً ملكياً أخَّاذاً يطلُّ على حديقة أخاذة تطلُّ بدورها على غابة أخاذة أكثر، بينما فرزوا لأختكم هالا محمد جناحاً ملكياً مزوَّداً بالخدمات
والعنايات الفائقة، وكذلك قدَّموا لمنذر مصري غرفة أسطورية إلا قليلاً في حين يا شباب أعزُّوني وأكرموني وأعطوني الغرفة الخاصة، مكتوب عليها هذا، فسررتُ أيما سرور، ودخلتُ إليها وكأنني صاحبها – للغرفة لا يروح مخكم لبعيد- فوجدتها عادية، لا لوحات ضخمة كباقي الغرف، لا سرير ضخم ولا سقف للسرير كباقي الأصدقاء الشعراء، مجرد سرير صغير، وطاولة صغيرة، ومرآة قديمة طبعاً، وسجادة سورية ذكّرتني فيكم، ومكتبة، كانت خصوصية هذه الغرفة أنها تحتوي على المكتبة، فتخيَّلوا، وهكذا نمت على تختي الصغير شايفاً نفسي على أصدقائي الشعراء أنو قاعد بالغرفة البرايفيت الخاصة، بينما هم في نعيم الفخامة نائمين، ولجسد التاريخ معانقين.

عدد اللوحات في القصر كبير جداً، وكلها لوحات أصلية، لرسامين كبار أمثال فان ديكي، أو عبر تلاميذ ومدارس هؤلاء الرسامين، كما أنَّ هناك لوحات لأفراد من العائلة صاحبة القصر، وقد عشنا معهم ليومين، في ضيافتهم، وقرأنا الشعر في القصر، وحضر الأمسية تبعنا شي مئتي شخص دفع كل منهم حوالي 15 دولاراً كي يكحِّلوا عيونهم بمرآنا، وكان أنهم أحبُّوا أشعارنا، وسألونا عن أحوالنا، عن أهلنا، عن بلادنا، وحكينا اللي فيه النصيب، وتعرَّفنا على حياتهم، ولمسنا حبهم للشعر والفن، ورأينا تواضعهم، ونظرتهم الجميلة إلى الآخر، وأحسسنا بجديتهم في التعامل مع المهرجان، ودعمهم الدائم له وذلك عبر دفع أثمان البطاقات، كأضعف الإيمان، لكن ماذا أقول عن أصحاب هذا القصر الذين استضافونا، آدم ونيللي وتوري وآكسل .. ماذا أقول عن هذه العائلة العريقة القديمة التي لم أشاهد سيرلانكية واحدة في أرجاء قصرهم، ماذا أقول عن حمل آدم لحقائبنا ومساعدتنا في وضعها في السيارة، ماذا أقول عن لهفتهم للمعرفة، ورغبتهم في التواصل، واحترامهم للإنسان، وابتعادهم عن الكذب، وحتى عن المجاملات، ماذا أقول عن هؤلاء الناس الذين كانوا أكثر من أهل في تلك الليالي، وكانوا أكثر من كرماء في تلك الأيام، لكنهم لا يصرعون سماك بعبارات الترحيب على الرايحة والجاية وعلى بطعمة وبلا طعمة ويا هلا بالضيف وآنستونا وشرَّفتونا وحللتم أهلا ونزلتم سهلا، بينما لم أوفِّر فرصة إلقاء كلمة الضيوف ومفادها أنو عذبناكم، ولقد أعجبتهم كلمتنا فتعلموها، ربما لأننا فعلاً عذبناهم.. بس بلطفنا وأكابريتنا، وللكلام بقية فابقوا معنا. مراسلنا في ليدبوري ولندن وسائر أراضي الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، بالمناسبة لهلأ ما شفنا الشمس، مطر مطر والله كريم. وغداً موعدكم من قصر هيللينز مع لقمان السادس عشر."

٠٦‏/٠٧‏/٢٠٠٨

قطارات


"ا أخفيكم أن القطار هو وسيلة التنقل لديَّ لأسباب كثيرة أهمها رهابي الدائم من ركوب السيارات والطيارات بالإضافة إلى هلعي من السفن والعواصف رغم عدم وجود مانع لديَّ للحلم بأن أكون أحد ركاب سفينة الحب ولو لحلقة واحدة من ذاك المسلسل الشهير، القطار يبهجني منذ طفولتي عندما كنت أركب 'الأوتوماتريس'

من حلب إلى بلدتي البهية 'الدرباسية' على الحدود السورية التركية في أقصى الجزيرة السورية، وكان الأوتوماتريس يكمل طريقه بعد أن يرميني في محطة الدرباسية إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، وقد حدث أن كنت نائماً ذات مرة وأنا في الثانية عشرة من عمري واستيقظت فوجدت نفسي في نصيبين وبكيت، كنت أستحقُّ أن أدخل موسوعة غينيس على اعتبار أنني الإنسان الأول الذي بكى عندما رأى نصيبين، وما أن فهم الناس مشكلتي حتى أخذني البوليس واتصلوا بحلب وأعادوني إلى الدرباسية في أوتوماتريس قادم في اليوم التالي بعد أن فسَّحوني ودللوني وأطلعوني على الإنجازات الحضارية في مدينتهم كما لو أنني وفد، عدت إلى محطة الدرباسية وسط استقبال جماهيري بعد أن سلموني إلى أولاد عمَّتي الكبار الذين عنفوني بينما اكتفى الصغار منهم برمقي بنظرات الحسد.
ومنذ أن اختفى الأوتوماتريس من حياتنا وأنا أبحث عن قطار أحبُّه هنا ولكن عبثاً، فما أن تأتي الدولة بقافلة مريحة من القطارات حتى يبدأ أبناء الشعب بالعبث بها وتحويلها إلى مركز للنفايات النووية من قشر بزر وريحة جرابات ودهادير وما أدراكم ما الدهادير بينما يكمل الموظفون في الأرض النقل بالإهمال والزعرور، ولكنني اليوم أكتب لكم من قطار دمشق ـ حلب السريع، يا الله ما أروعه، تصوَّروا عربة نظيفة وكراسي مريحة وتكييف عن جد مو هواء ساخن صحراوي، جاءت فتاتان عاملتان سوريَّتان أنيقتان ولطيفتان وناولتانا البون بون وأكلت واحدة فتدمَّر ضرس العقل الغبي الذي عندي من الألم، ولكنني لم أشتم القطار لأن المشكلة من ضرسي مو من الغسالة، ثم جاء عامل آخر بلباسه الرسمي وناولنا سماعات لسماع الموسيقا، وبعده جاء آخر بلباسه غير الرسمي وهذا شر لا بدَّ منه وناولنا أكياساً لمراجعة الذات ورمي النفايات، وقبل انطلاق القطار صدح صوت أحد الكباتنة وذكّر الركاب بأن الرحلة متجهة إلى حمص وحماه وحلب، فتذكرت هؤلاء الذين صعدوا في باص إلى دير الزور ووجدوا أنفسهم في طرطوس وقلت في نفسي برافو عليه كمان هي ضرورية، بصراحة أنا ما عم أعمل دعاية للقطار بس قلت لحالي طالما هو للدولة رح أعمل له دعاية لأن ما تملكه الدولة هو ملكنا نحن الشعب، وعلى الرغم من منع التدخين في هذا القطار فقد أعجبني، فأرجوكم يا أبناء جلدتي من موظفين وركاب ومدراء وعاديين ديروا بالكم على هالقطار .. والله حضارة، وما في داعي نطلع بالقطار ونتمنى أن ننام فنجد أنفسنا في أوروبا، في هذا القطار أنت في أوروبا فكن مثل الأوربيين على الأقل. ألم تسمعوا بالمثل الذي يقول إن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة، وأضيف: إن هذه الخطوة تحتاج إلى قطار."

٠٤‏/٠٧‏/٢٠٠٨

حلب


"حلب ثاني مدن سورية، ولكنها تعتبر نفسها الأولى، ويعرف أصغر حلبي أنَّ حلب أقدم مدينة مأهولة في التاريخ ويجيب عندما ينبري الدمشقي بقول إنَّ دمشق هي كذلك, بأنَّ دمشق هي أقدم عاصمة وعمرها بأراضي الألفين وأربعمية سنة وشحطة بينما عمر حلب بأراضي الألفين وسبعمية وشحطة، وهي الفوارق النسبية ذاتها

التي يجدها الحلبيون في باقي الأشياء، فحلب هي أم الدنيا غير أنهم لا يقولونها بالحالة المصرية بل يقولونها بعفوية حلبية تكاد تكون سمتهم وهويتهم، وبما أنني حلبي أيضاً بالإضافة لكوني جزراوي المولد والطفولة ودمشقي الهوى والإقامة، فقد عشت طفولتي ومراهقتي وشبابي الضائع في حلب، ومن حلب انطلقتُ على اعتبار أنَّ حلب هي كراج انطلاق الشعراء والفنانين، ولاسيما الموسيقيين منهم، فمن منكم لا يعرف بطل العالم بالغناء أبو محمد.. صباح فخري، ومن منكم لم يسمع بمحمد خيري أبو هيثم الذي مات على خشبة المسرح وهو يغنِّي، ومن منكم لم يسمع بشيخ الطرب الراحل الكبير صبري مدلل، ولا يقتصر أداء حلب الراقي على الموسيقا، بل يتعدَّى ذلك إلى الفوتبول والباسكيت عبر نوادي الاتحاد والحرية والجلاء واليرموك والعروبة، وعلى الرغم من عدم وجود بحر في حلب وهذا ما يعترف به الحلبيون فيقولون ' آخ لو كان في بحر بحلب ' فقد برع الحلبيون بالسباحة وقدَّموا أبطالاً في السباحة على مستوى العالم مثل هشام المصري وباقي آل المصري، وبالطبع فإنَّ اللغز الحلبي الذي لم يستطع علماء الآثار حلَّه هو لغز الكباب الحلبي وعائلته، ولغز الكبب بأنواعها السماقية واللبنية والسفرجلية والمشوية والمقلية والصاجية والنية والإيج، ولا تخرج المحاشي عن الموضوع، كما يمكننا التغزُّل بالحلويات العجيبة من المبرومة إلى البلورية مروراً بسوار الست وأنواع البقلاوة، ولا ننسى اللوزيات والمجففات، وتكتمل الأسرار الحلبية بأحيائها القديمة المتصلة عبر قنوات وأنفاق أندر غراوندية بالقلعة لتحطم أساطير الميترو في باريس ولندن وسان بيترسبورغ، تلك الأنفاق التي نحتاج إلى آلاف الاجتماعات الآن في وقتنا الحالي لنفكِّر بالتخطيط لها، ولا يتوقَّف سحر حلب هنا ولكن أتى من استطاع إيقاف هذا السحر، فمنذ العام 1990 بدا أنَّ حلب تعاني من الإهمال بسبب تمركز الأعمال والأشغال في دمشق، فبات ألقها يخبو، وبات صوتها العالي يخفت، وأضحت مدينة خجولة، وصارت حلب مو حلب منذ أن بدأ مطربوها بالغناء عنها والتغزُّل بها بكلمات ما أنزل الله بها من سلطان في آخر محاولة منهم لشحذ الهمم كي لا تسقط هذه الحضارة العريقة التي يمكنك تلمُّسها وشمَّ رائحة عبقها الغابر في سوق المدينة وأحياء ما تحت القلعة، نعم لم تعد حلب حلباً وأصبح الطريق إليها مقفراً والطريق منها إلى أرض الله الواسعة مزدحماً، فهل نعيد حلب إلى حلب ؟!"

٠٣‏/٠٧‏/٢٠٠٨

المفتاح


"وهو ليس كباقي المفاتيح، فهو مفتاح المسؤول، هو الشيفرة التي تفكُّ جميع الأسرار، والعتبة الأساسية والأخيرة للوصول إلى المسؤول، على اعتبار أنَّ الوصول إلى المسؤول في بلادنا هو من أصعب الأمور وأعقدها؛ فإذا وضعوا شخصاً في منصب معين يتحمل فيه مسؤولية كذا وكذا وكذا وكذا.. فإنه بالتالي سيصبح مسؤولاً عن هذه الكذا والكذا والكذا..

وعلى اعتبار أنه أصبح مسؤولاً عن هذه الأشياء الكذايات فلابدَّ من أنَّ هناك أحداً ما يسأله، والأسئلة التي ستوجه له ستكون شديدة الأنواع؛ فمنهم من سيسأله على شكل استفسار، ومنهم من سيسأله على شكل استجداء، ومنهم من سيسأله على شكل طلب للمساندة، ومنهم من سيسأله الرحمة به والرأفة بعياله، ومنهم سيسأله منتظراً الجواب.. أي جواب مو مشكلة، ومنهم من سينتظر جواباً مقنعاً، فإذا لم يسمعه من هذا المسؤول فإنه بالتالي سيحمله المسؤولية عن فشل كذا وكذا وكذا.. وباقي الكذايات الفاشلة التي تغصُّ بها حياتنا السعيدة، ولعلنا باستنتاجنا وذكائنا سنعرف أنَّ المسؤول شخصٌ عليه عجقة كتير، وبالتالي فمن الطبيعي أن يسارع إلى وضع حاجز بينه وبين الناس اسمه مدير المكتب، وهذا المدير على الرغم من أنه حاجز أو حاجب فإنه بنفس الوقت مفتاح، فهو الداء والدواء، تماماً كما تفعل شركات الأدوية الكبرى في العالم بأن تخترع دواءً ثم تضطر لأن تخترع له داءً كي يتمَّ تسويق هذا الدواء، ومدير المكتب في بلادنا هو دواء صنع لداء لا وجود له مما اضطره لأن يكون هو الداء. وهذا التوضيح هو فقط لمجرد الطلب منكم بأن لا تظلموا مفاتيح المسؤولين، فهذه هي وظيفتهم وهذه هي مهمتهم، فترى مفتاح المسؤول يوصل كلّ أفكاره إلى المسؤول على أنها أفكار الناس ومطالب الناس، بينما هي أفكار ناس يخصون المفتاح من أقارب وعقارب وأصدقاء وجيران وأشخاص مهمين، على اعتبار أنَّ الأشخاص المهمين يستطيعون أن يكونوا بقواهم المتنوعة أقرباء لكل الناس، وتفشل المشاريع لكن المسؤول لن يعرف أنها فاشلة بل سيعتقد أنها حازت على إعجاب الناس كما قال له مدير مكتبه، فإذا سمع كلمة انتقاد من أحد ما اعتبرها مذمة من ناقص لا أكثر ولا أقل، وتمضي الأيام وتأتي الأيام فتقول إنَّ المشاريع التي أقيمت في عهد المسؤول فلان كذا وكذا وكذا، بينما الأصح أن تقول إنَّ المشاريع التي أقيمت في عهد مدير مكتب المسؤول الفلاني كانت كذا وكذا. وهنا يتضح أنَّ مفتاح المسؤول جندي مجهول أيضاً ومأكول حقه إلى أن يطير المسؤول ويبقى هو حاجزاً ومفتاحاً لمسؤولٍ جديد سيهرع إليه بداية استلام منصبه ويفهم منه الأوضاع فيفهمه إياها ويتابعان على نفس المنوال فيندهش الناس ويقولون في قلوبهم سبحانك يا رب تغيَّر المسؤول بس ما تغير شي؟!.. وكان الأجدر بها أن تسأل هل تغير مفتاحه معه، فإذا لم يتغيَّر مفتاحه لن يتغيَّر شيء، لأنو السر بالمفتاح وليس في الباب، وبالطبع فإنَّ المفتاح سيدهلز للمسؤول ويدخل عليه بنعومة وسلاسة ويطرقه عبارات مديح لم يسمع ببراعتها من قبل، كما سيطرب للتعظيمات التي ستطال شخصه من قبل مفتاحه وحاجبه بآن معاً، عندها تمضي الأمور على هوى الأمورة أو الأمور لأنو من الممكن أن يكون مفتاح المسؤول سكرتيرة حسناء، فتراها تقسم وتجمع وتطرح.. وتضرب إذا لزم الأمر يميناً وشمالاً غير آبهة بشيء، بل وتفرض على الناس الهدايا أو المقايضات أو المبادلات عبر أوراق تتحدث بكل اللغات، فترى يا صاحبي المسؤول ومفتاحه يعيشان في القصور والفيلات ويتسوحان في أوروبا الغربية للنساء، والشرقية للرجال، والسكي والديزني لاند للأولاد، والكازينوهات لمحبي الميسر وباقي أرجاس الشيطان. أما نحن فنتحوَّل إلى أصحاب كلمات، أقلّ ما يقال عنها إنها فارغة وأكثر ما يقال عنها.. أنو.. علاك بعلاك، وطبعاً بنستاهل لأنني شخصياً من محبي ومريدي أبو علاك، لأنَّ في أبو علاك الممنوع من الصرف من الصفات ما هو أحمد من المفتاح ومسؤوله في هذه الحالات، عن جد إنني في هذا الزمن أميل إلى تمجيد أبو علاك."

دون بصيص أمل


"كل الطيور التي أحببتُها
هوَتْ
وكان صوت ارتطامها بالأرض يقتلن
إلهي.. لا تجعلني طيراً
لا تجعلني من يعلو عن الأرض
وهو يعرف بأنه يوماً ما.. سيقعْ

*********************************************
هناك خمسة سطور تبقّت
على هذه الورقة
أفكر بقصيدة من هذا القياس
خمسة سطور كاملة
ضيعتها وأنا أفكِّر بمَ سأكتب

***********************************************
كنت بحاجة لأسألَكْ عن هاد الشي اللي كتير بيشبهَكْ
وبعد ما رحتْ وتركتني وحدي.. شفتُه
كتير بيشبهَكْ.. روحه متل روحك
مشان هيك حسيته ميّت متلك
وخفت أني أضلّ عم أحبّه وبعدين ما أشوفه قدَّامي
كتير هلأ بحاجة لألَكْ وبحاجة لألُه
بحاجة لألُه لأنو بيشبهكْ
وبحاجة لألَكْ مشان تخلّصني منّه

***********************************************
في تلك الأروقة
دائماً
كان بيني وبينك نقطة بيضاء أيها الليل
تعال
دون مصابيحكَ
دون شمع
تعال أيها الليل
بكل سوادك
دون بصيص أمل
*************************************************
ليكن أنَّ ما كان بيننا
مجرد هوى
ولكن..
أما كان يستحق منكِ
ولو لحظة تذكّر
ولو ارتعاشة ارتباك عند اللقاء بي؟؟

*************************************************
في بارٍ لا يشبه أيامنا
التقينا.. وتحدَّثنا كثيراً
بحماس.. كما لو أننا نلتقي لأول مرة
في ذات البار
بعد زمن
التقينا
لم نحيّ بعضنا البعض
ولم نتبادل النظرات أو نتحدَّث
كما لو أننا نلتقي لأول مرة

***************************************************
على كل الأحجار
سأرى حروف اسمكِ
وعلى كل الوجوه
سأرى ملامحكِ
بعدكِ
سأحبُّ الجدران والأشجار وإشارات المرور
بعدكِ
سأحبُّ أيَّ شيء
لا يخفقُ له قلبٌ
وساعة يشاءُ
يتوقف عن الخفقانْ
*********************************************
هذا الشتاء
بلا مطر
أو ثلوج
مجرد شمس باردة
وصقيع في الليل
هذا الشتاء
أيضا.. دونكِ

*********************************************
سأبقى كعادتي
أكتبُ القصائد عنكِ
وسوف تسرني آهات إعجاب الآخرين
سأبقى كعادتي
رغم أنني أعرف
أنك لا تذكرين حرفاً واحداً منها

*********************************************
دائماً هناك من يقتلني
ودائماً للأسف
لا يكون أنتِ

**************************************
كنا دائماً ثلاثة
أنتِ والحب وأنا
بين جدرانِ رطبة
وتحت سقوف واطئة
وكنا دائماً نهمس
خوفاً من الذين في الخارج
كانت القبلة ممزوجة بالخوف والأسى
وكان العناق راجفاً
دائماً كنا ثلاثة
تحت سقوف واطئة
وبين جدران رطبة
أنتِ والكراهية وأنا
****************************************
وحيثما تمضين
سأكون خلفكِ
حارسكِ
بقية الحب التي تحمي نقاط ضعفكِ

*************************************في كل مكان
وخلف كل الستائر
ستجدينني
تمثالاً من الألم والخيبة
حجراً حزيناً من كثرة الإهمال

**********************************************
على هذا الكرسي
كانت تجلسُ
أيها الشاب الذي يراقبني باستغراب
على هذا الكرسي كانت.
وكنتُ أعانقها وأمرّ بيدي على شعرها
وأحياناً أقبّلها
أيها الشاب المندهش
على هذا الكرسي
الذي تجلسُ عليه الآن
دون أن تنتابكَ أية مشاعر"