٠٨‏/١٢‏/٢٠٠٦

الشاعر سينتحر

"تمنيتُ أن أصاب بالسرطان، أولاً لأن الكلمة أعجبتني، وثانياً كي يشفق أهلي وأصدقائي وأقاربي عليّ ويندموا على كل ما اقترفوه بحقي من جرائم جسدية ومعنوية ومادية. فها هي الحبيبة التي رفضت حبي وطردتني شر طردة من حياتها وشارع بيتها مستعينة بأولاد حارتها الأشاوس تأتي إلي جاثية بعد أن علمت أن موتي قادم لا محالة.. وهي تبكي وتصارحني بحبها وندمها على رفضها لي، ولكنني سأبتسم بحزن، وأقول لها ودمع العين يسبقني: 'لا.. انسيني أنا ميت ولا ذنب لكِ كي تترملي باكراً'. عندها ستنهمر الدموع من عينيها بسخاء، وستبدأ بالنحيب : 'لم ولن أحب غيرك.. لا تمت أرجوك'. وبهدوء شديد سأداعب شعرها بكفي وأنا أنظر إلى الأفق وأقول: 'الحي أفضل من الميت.. ابحثي عن حبكِ بين الأحياء'. وستزداد فتاتي عويلاً حتى تنهار بين قدمي..

وسوف يشعر أبناء عمتي أنهم كانوا حقراء في التعامل معي عندما رفضوا انضمامي إلى فرقتهم الموسيقية كمغنٍ، بل شبهوا صوتي بنهيق الحمار، وسوف يأتون إلي مع آلاتهم الموسيقية متضرعين أن أسجل شريطاً معهم فوق إحدى أشرطة أم كلثوم، ولكنني سأعتذر بحزن مشوب بالكبرياء وأقول: 'أنا أرفض منطق الشفقة في الفن'..

وسأستمع إلى حديث نادم بين أبي وأمي في غرفة النوم وهما يبكيان، فأمي تندب وتشد شعرها وهي تقول: 'آخ.. لماذا لم أتركه يسافر إلى أوروبا كي يدرس السينما..؟' بينما سيضرب أبي رأسه بالجدار باكياً وهو يقول : 'آخ.. لماذا لم أعطه المئة ليرة.. لماذا؟'..

ثم نسيت كلمة السرطان، وأعجبت بفكرة الانتحار.. وفكرت في محاولة انتحار فاشلة تودي بي إلى المشفى، وهناك سأكون في غيبوبة، ولكني سأسمع كل الأحاديث التي تدور حولي. فها هو مدير مدرستنا يعدد مآثري ومناقبي على الرغم من أنه لم يكن يعلن بداية اليوم الدراسي قبل أن يصفعني. وسأسمع عمي الذي طردني من بيته كي لا أفسد ابنه المثالي يشيد بذكائي ويصفع ابنه المثالي الذي يبكي بجانبه لا حزناً علي بل بسبب الصفعة.. ولكي يكون حجم الألم والندم أكبر سأوقت موعد الانتحار بعد فاصل من الضرب المروع بحقي من قبل أبي وأمي معاً، كما أن الشعراء الذين سخروا من شعري سيطأطئون أمام جسدي الواهن وهم يرددون في دواخلهم: 'إنه شاعر حقيقي احتج على واقعه بالانتحار'، وسيعيدون النظر في قصائدي التي شتموها سابقاً، ويعتبرونها تحفة فنية رامبوية الطابع نسبة للشاعر الفرنسي آرثر رامبو.

وقد سمعت عن طالب في كلية الطب انتحر أثناء قيامه برحلة ترفيهية مع زملائه من أجل فتاة كان يحبها، وأعجبت به، ثم أعجبت بالشاعر خليل حاوي الذي انتحر احتجاجاً على الصمت العربي عام 1982 تجاه حصار بيروت، ومع ذلك فلم أجرؤ على الانتحار إلا في خيالي، وفجأة اتصل الصحفي وليد اسعيد، وطلب مني أن أحضر إلى بيت حكم البابا، وهو شاعر أكبر مني بأربع سنوات، وعندما دخلت وجدت حكم جالساً ووليد وإياد الغفري يتناقشون في موضوع ساخن، كان حكم مصراً على الانتحار، وكانا يمنعانه بخوف متعقل، وكان يشرح لهم كل مرة عن الطريقة التي سينتحر بها، فتارة سيطعن نفسه بسكين المطبخ لينهض الاثنان ويحتجان : 'لا تحكي هيك يا حكم' أو 'بنعرفك بتحب الحياة يا حكم'، وتارة أخرى سيتناول علبة من الحبوب المنومة وينام على أنغام 'ضربات القدر' لبيتهوفن خاصة أنه اهتدى إلى الموسيقى الكلاسيكية مؤخراً، وتارة سيرمي بنفسه من الطابق الرابع إلى محطة البنزين أسفل منزله، واحتياطاً سيحمل سيكارة مشتعلة في يده، وكان الاثنان قد وصلا إلى مرحلة البكاء على إصرار هذا الصديق المحب للحياة على الانتحار بينما كنت واقفاً أمام باب البراد الجاثم في الغرفة الوحيدة التي سُمّيتْ عبثاً بمنزل، آكل ما تيسر من الأطعمة التي تحضرها عمة الفقيد القادم..

وفجأة وجه حكم حديثه إلي: 'سأسألك لا كصديق وإنما كشاعر'.. وبعد أن شرح أسبابه الغرامية سألني : 'هل أنتحر أم لا؟'. نظر الصديقان إلي وهما ينتظران مني أن أنقذ الشاعر من الغياب، بينما فكرت أنا المتشرد الشاعر البوهيمي الذي لا سقف يؤويه في العاصمة على اعتبار أنني من أدباء الأقاليم عن سبب اتصالهم بي، وحدست أنهما سيطلبان مني الإقامة عنده كي أمنعه من الانتحار، فأجبته وفمي مملوء بالكوسا محشي الذي طبخته عمته: 'لو كنت مكانك لانتحرت'..

وهكذا أصبحتُ مقيماً في غرفة حكم بصفة حارس على حياة شاعر قد تفقده الأجيال متنعماً وحدي في العلن بالطبخات المتنوعة التي تحضرها العمة كل يوم لأن حكم كان يأكل في غيابي كي لا تتشوه صورته أمامي. وعندما أحسست بالخطر من تناقص الطعام اللذيذ بدأت أضغط عليه كي يعترف بأنه يأكل سراً، ولكنه كان يرفض الاعتراف، فقلت له إنني سأتأكد من كميات الطعام قبل خروجي لأعرف إذا كان يأكل أم لا. وبالفعل بدأ الشاعر الفقيد يقتات سندويش الشاورما كي يوهمني بأنه لا يأكل بينما كنت أهز رأسي بأسف مصطنع وأنا أنهره كي يأكل وأتلذذ وحدي بنعمة الطبخ المفقودة في عالم الشعراء. كان يحدثني عن الطرق التي سيستخدمها في الانتحار، وكنت أتثاءب وأنا غير مبال بما سيفعله من أهوال بنفسه أثناء نومي، والأنكى من ذلك أنني كنت أتركه وحيداً طول النهار وأعود ليلاً وأنا ثمل لا أحتاج إلى أكثر من جملتين انتحاريتين منه حتى أكون غائصاً في عالم الأحلام.

بدأ حكم يشتاق إلى السهر في الخارج، فخرج بفتوى عظيمة عندما قال لي ولإياد إنه يريد أن يسهر في مطعم قصر البللور لأن ساعة الصفر قد حانت وعليه أن يودع هذا المكان الجميل. وهناك أكل المنتحر ثلاث سمكات وحده وشرب بطحتي عرق وهو يتحدث عن انتحاره بينما كانت أرواح الأسماك تئنّ بين أضراسه المتوحشة. ثم طلب الحساب ونهرنا كي لا ندفع بشهامة غير متوقعة، ودفع الإكراميات السخية للنادلين، فدغدغني إحساس للمرة الأولى بأن هذه الأفعال هي أفعال شخص سينتحر فعلاً..

وبعد أيام ضجر حكم مني بسبب لامبالاتي أولاً وبانفرادي بالطعام ثانياً خاصة أنه مل من سندويش الشاورما السري، فأعلن أنه اهتدى إلى الطريقة المثالية للانتحار، وهي مكونة من مرحلتين، المرحلة الأولى سيتناول فيها الحبوب المنومة ويقفل باب الغرفة والنوافذ بإحكام شديد، أما المرحلة الثانية، فسيفتح فيها اسطوانة الغاز وينام بسلام مختنقاً بالغاز. فكرت للحظة، وأصبت بالرعب من أن أنام ولا أستيقظ إذا ما فعل ذلك.. فانقلب نعيمي جحيماً،وصرت متيقظاً لا أنام أبداً حتى ينام، وبدأت أستيقظ رعباً عند كل حركة يقوم بها جسده النائم، وكان يوقظني باكراً إمعاناً في الانتقام مني حتى نسينا معاً موضوع الانتحار، ومازلت أشاهد حكم إلى الآن وقد أصيب بمرض السكري، فتراه لا يشرب إلا الدايت كولا، ولا يأكل الدهون والشحوم متقيداً بصرامة بتعليمات الطبيب خوفاً من ارتفاع السكري، ما زال حياً يرزق.. ويتحدث على الموبايل."

٠٣‏/٠٨‏/٢٠٠٦

لا أريدك ياحرية


"لن أترككِ يا بلادي
فلا تخافي
ولن آتيك أيتها المدن الحرة
فلا تخافي أيضا
لا تدققوا في جواز سفري
يا موظفي السفارات الفخمة
فأنا ذاهب لايام ولن ابقى عندكم
لأنعم بالحرية
لن تغريني النظافة في الشوارع
ولا الأنظمة المدهشة
لن يبقيني راتب البطالة
ولا شهادات الضمان الصحي
ولا مستقبل الأطفال المشرق
لن تأسرني حرية الرأي
ولن تعرقل الصحافة الحرة
مسيرتي نحو المطار
لن تثنيني قوانين احترام الفرد
عن العودة
فاعطني الفيزا أيها الموظف
لأنني لن أمكث في بلادك لأكثرمن أيام
فأنا ضيف
ضيف على حريتك
ضيف على صحافتك الحرة
ضيف على نظافة شوارعك
ضيف على كل ماصنعته يداك وأيادي أجدادك
وسأشتاق...
سأشتاق إلى كبتي الذي صنعته مخيلتي المريضة
إلى قضبان السجون التي صنعها أجدادي
واعتنيتُ بها طيلة حياتي
سأشتاق إلى الحزب الواحد
الذي دعمتُه بصمتي
ووسّعتُ قواعده بخوفي الجليل
أحبكِ يا بلادي
أحبُّ هواءك الملوث الذي اخترعه أقربائي وجيراني
وجمّلته بدخان سيجارتي ومدخنة الميكروباص الذي يقلّني
أحبُّ أنهاركِ القذرة التي رميت فيها أكياس الزبالة السوداء
وموظفي دوائرك الذين وضعتُ لهم نقود الرشوة في أوراقي
أعشق صحافتي التافهة التي كتبتُ فيها مرارا
وتلفزيوننا الممل الذي ظهرتُ على شاشاته سعيداً وفخوراً
أعشقُ تماثيل الرؤساء التي نحتها أصدقائي النحاتين
وأقوالَهم المأثورة التي يرددها زملائي الصحفيين
أعشقُ المسؤولين الفاسدين الذين أمتدحهم كلما التقيتهم
وأموت عشقاً بالشكل الفريد للحرية وقد داستها البساطير
التي لمّعتها بنفسي
أحبكِ يا بلادي
لأنك بلادي أنا
أحبكِ يا تعاستي
لأنك تعاستي أنا
لا أريدكِ أيتها الحرية
لا أريدكِ
الحرية لمن يصنعونها
وليست للضيوف"

١٣‏/٠٥‏/٢٠٠٦

المـريـدان

لم يكن لديّ ما أفعله في حلب سوى الجلوس في بيتي، وهو عبارة عن شقة في الطابق الأرضي اشتراها أبي كي أكون قربهم، وكانت الأطعمة تصلني من الطابق الأول حيث يقطن أهلي، وفي ذروة الملل والضجر طرق بابي شابان معجبان بشعري وبشخصيتي، أحدهما يدعى عناد، وهو شاب أسمر متوسط الطول ذو بنية قوية، والثاني يدعى عبودة، وهو بطول عناد، ولكنه مهلهل الجسم, كان عناد يحب أن يكون ممثلاً بينما كان عبودة يحب الشعر، وكانا متفقين على أشياء كثيرة بصمت، فالقهوة يصنعها عناد بينما يتخصص عبودة بصنع الشاي، والفشل في الدراسة أمر مشترك بينهما، فالاثنان لم يتابعا الدراسة، ولكنهما يعملان، عبودة دهان محترم بينما عناد يعمل مع شقيقه كشريك في محل للألبسة ساهم عناد بجدارة في إفلاسه.

كنت مثَلُهما الأعلى في كل شيء، وقد أصبحا مقيمين ببيتي ومسؤولين بشكل مباشر عن حياتي..
صباحاً تأتيني القهوة إلى سريري، فأشربها مع عناد، وما إن ننتهي من ذلك حتى يكون عبودة قد جاء بالفول والحمص. وكانا لا يتحرجان من خدمتي أمام الضيوف، فإذا طلب الضيف القهوة يكون عناد قد جاء بها بلمح البصر، وإذا طلب الشاي يكون عبودة جاهزاً.

في البداية كانا صامتين في أثناء وجود الضيوف، ولكنهما شيئاً فشيئاً أصبحا متحدثين بل وبدآ يدخلان في نقاشات مع أصدقائي الأدباء بشكل محرج بالنسبة إلي، فهما لا يفقهان شيئاً عن المواضيع التي نتحدث بها عادة، ولا علاقة لهما بالثقافة أصلاً إلا إذا اعتبرنا قصائدي ومقالاتي التي قرؤوها ثقافة، ولكن الإحراج بدأ يكبر عندما وضعا نفسيهما في موقع المدافعين عن وجهات نظري في أي موضوع نتحدث به، فكانت الشتائم تنهال على الكاتب الذي يعارضني في أية فكرة، والغريب أن أصدقائي الأدباء كانوا يتقبلون ذلك من هذين الأميين.

كانا يعتبرانني أهم شاعر في العالم وأهم صحفي في العالم، وكانت الكلمة التي أقولها تدون على أوراقهما فوراً كأقوال مأثورة، والمقالة التي تنشر لي تعتبر حدثاً عظيماً، وكان كل الكتاب الذين يزورونني أعداء لي حتى يثبتوا العكس، لذلك كانا يضطهدان ضيوفي دون أن يعيرا انتباهاً لملاحظاتي الدائمة لهما بالتزام التهذيب مع الضيوف، وكانا يستسخفان كل الأسماء التي ترد في حواراتهما مع ضيوفي، فمحمود درويش لا مجال لمقارنته بي، وأدونيس اتصل البارحة ثلاث مرات من فرنسا كي يطمئن على كتاباتي.. إلخ.
كنت أصاب بخجل مريع عندما كانا يكذبان بهذا الشكل الفاضح، وكانا يسكتانني كلما حاولت التدخل، والغريب أن الأدباء كانوا يصدقونهما. وهكذا أصبح محمود درويش يسرق من قصائدي، وأدونيس يتمنى أن يحادثني تلفونياً، ورياض الريس يلح علي لكي أنشر ولو مقالة بسيطة في مجلته اللندنية "الناقد". حتى أن عبودة تجرأ ومسح الأرض بالمتنبي مستنداً إلى قصيدة يقول المتنبي في مطلعها الذي أصبح موضة عند الشعراء: "على قلق كأن الريح تحتي"، وكان عبودة قد حصل على معلومة خطيرة تفّه بها هذا المقطع، واستطاع إقناع عتاولة الثقافة بوجهة نظره التي تقول إن حصان المتنبي كان يدعى "قلق"، وهذا يعني تحطيم المجاز في القصيدة وتحويلها إلى قصيدة في مدح الحصان لا أكثر ولا أقل.

ولكي لا يفارقاني طويلاً بدآ بممارسة عمليهما في بيتي، وصار طبيعياً أن أستيقظ صباحاً لأجد عبودة يلقي محاضرة بذيئة على عمال ورشته، فهذا لم "يحفّ" الباب جيداً، وذاك لم يمعجن الجدار كما يجب، أما عناد، فكنت أستمع إلى مساوماته مع مهربيّ الألبسة وأنا على سريري. في البداية لم أكن أجرؤ على الخروج من غرفتي، ولكن الفضول قادني إلى الصالون لأجد عمال ورشة الدهان بملابسهم الملطخة ينهضون لتحيتي وهم يبدون إعجابهم بمقالاتي وقصائدي وسط ابتسامة فخر واعتزاز من قبل معلمهم عبودة. ومرة أخرى رحب أحد المهربين بي وهو يتلو مقطعاً من شعري.

بعد فترة، بدأ المريدان يغيبان طويلاً عن البيت لأكتشف أنهما أصبحا يجالسان أدباء المدينة في مقهى القصر، بل ويسكران مع كبار الأدباء في النادي العمالي، وبدأ الأدباء بطلبهما على تلفوني الشخصي، فأصبحت فجأة عامل سنترال عندهما، بل إن عبودة كان يغمزني لأقول لأديبٍ كبيرٍ إن عبودة غير موجود، وكذلك كان يفعل عناد مع المسرحيين الكبار، ولكن ولاءهما لي ظل كما هو، وبقيت مثلهما الأعلى والسقف الذي لا يسمحان فيه لنفسيهما بتجاوزه.

كنت مشهوراً بمداخلاتي الساخرة واللاذعة سواء في الأمسيات الأدبية التي يتلوها حوار مفتوح، أو في مهرجانات المسرح التي يُفتح فيها الحوار بعد كل عرض، ولكني في تلك الفترة كنت مصراً على عدم الخروج من المنزل بسبب حالة طويلة من الكآبة لازمتني حتى مجيء المريدين إلى حياتي. وكان من الطبيعي أن أخرج من المنزل لحضور أمسية أدبية لعدة شعراء متوسطي الموهبة رضوخاً لأوامر المُريدَين، وفي أثناء الأمسية كان عبودة يبصق على الأرض ويقول : "تافه"، وعناد يتنحنح بصوت عال عند كل مقطع لا يعجبه. كنت خجلاً منهما خاصة عندما كان الحاضرون ينظرون إليهما باستغراب واستهجان. وما إن بدأ الحوار حتى كان عبودة أول الصاعدين إلى المنبر، واستطاع بلمح البصر أن يجذب الحاضرين إليه بعد أن اعتبر كل ما قيل من شعر هو شعر تافه مفبرك، ثم أشار إلي لأصعد وأقول رأيي، فصعدتُ مرغماً لأن عناد كان قد جرني ودفعني إلى الأمام.

وقبل الصعود إلى المنبر التصق بي عبودة وهمس لي أن أمسح الأرض بجميع الشعراء الذين قرأوا شعرهم، ففعلتُ ما طلب مني بطريقتي الساخرة وسط تصفيق عبودة وعناد، فما كان من الصالة إلا أن تصفق بسبب العدوى.

وبعد أيام، أخذاني إلى مهرجان للمسرح. وفي أثناء العرض المسرحي كان عبودة يصرخ معلقاً شتى أنواع التعليقات لأن العتمة كانت تلف الصالة، فكان يقول للممثل: "مو هيك يا جحش"، وينادي الآخر :"خود إضاءتك يا تيس"، وسط ضحكات الجمهور الذي بدأ يشارك بالتعليق البذيء حتى انقلب العرض إلى فوضى متكاملة، وتحول الممثلون أشباحاً خائفة وخجلة من نفسها، وعندما بدأ الحوار كان عناد وعبودة قد رفعا لي يدي، فرحب بي مدير الندوة، واضطررتُ إلى الصعود بعد توصيات عبودة وعناد بأن أمسّح الأرض بالعرض، وبالفعل قمتُ بالواجب، وكان الجمهور يصفق لي على أثر تصفيق عبودة وعناد بعد كل جملة كنتُ أقولها.

وفي اليوم التالي، سمعت عبودة يتحدث على التلفون مع مخرج مسرحي ويطمئنه بأن "الأستاذ" -أي أنا- سيمتدحه في ندوة اليوم. وعندما اعترضت على طلبه استطاع إقناعي بأن هذا المخرج مسكين ومحارب وأن كلمتي بعد عرضه ستساعده على تجاوز محنه جميعاً، خاصة وأن زوجته مصابة بالسرطان وسوف تموت قريباً، فما المشكلة إذا أفرحناها قليلاً قبل ذلك، وفي أثناء العرض كان عبودة وعناد يطلقان صرخات الإعجاب عند كل مشهد من قبيل "يا سلام" "الله أكبر"، ولما بدأ الحوار رفعا لي يدي بعد أن أشارا إلى امرأة شاحبة جالسة بالقرب منا : "شوفها.. هي زوجته للمخرج.. يا حرام".

نهضتُ مكتئباً من رداءة العرض ومن شكل الزوجة التي ستموت قريباً، وامتدحتُ العرض بشكل لا مثيل له وأنا أسترق النظرات إلى وجه الزوجة الشاحب.

مساءً كان عبودة وعناد قد تركاني وحدي بعد أن سمعت عبودة يحدد موعداً مع المخرج المسرحي نفسه في النادي العمالي ليسكروا مع الفرقة بمناسبة نجاح العرض، وكان عبودة يصر على المخرج ألا ينسى بأن يجلسوا في جناح العائلات، وهذا يعني أن فتيات الفرقة وزوجة المخرج موجودات في السهرة، ولم تنقض ساعتان حتى كان عبودة وعناد قد عادا بصحبة فتاتين من فتيات الفرقة، جلست معهم وشربنا النبيذ، وكان في بالي أن أطبّق واحدة لنفسي، ولكن عبودة طلب مني أن أنهض إلى غرفتي كي أنام لأن عندي لقاء هام جداً مع المخرج جواد الأسدي في الصباح، وما أن سمعت الفتاتان باسم جواد الأسدي حتى طلبتا مني أن أعرفهما عليه، فوعدهما عبودة بذلك بينما كان عناد يجرني إلى غرفتي.

لم أستطع النوم بالطبع وأنا أسمع حفيف القبل والتنهدات من الصالون، وأتخيل كيف يعانق كل منهما فتاته في حين كانت صورة جواد الأسدي وموعده الكاذب ومسرحياته تملأ فضاء غرفتي.

في الصباح، شربنا القهوة مع الفتاتين اللتين تنتظران قدوم جواد الأسدي وعلى جسديهما بعض العلامات من ليلة البارحة، خرج عناد من المنزل، ورنّ التليفون بعد ثلاث دقائق من خروجه، رفع عبود السماعة وبدأ يتحدث: "أهلين جواد.. لا والله الأستاذ موفاضي اليوم.. راسه عم يوجعه.. بكره انشا الله.. على تلفون.. أهلين جواد" . أصيبت الفتاتان بخيبة أمل بينما نظر إلي عبودة وقال: "اطّمن.. قردفت لك اياه". وبعد ثلاث دقائق، كان عناد يدخل ضاحكاً. حاولت مراراً أن أحصل على علاقة مع فتاة من الفتيات الكثر اللواتي يحضرن إلى بيتي دون جدوى، فقد كان عناد يقول لي: "أنت أستاذ كبير. هدول مو من مستواك.. خليهم يشتهوك بس"، وكنت أقتنع بأستذتي بينما كانا يغوصان في بحر من الملذات.

بعد شهر سمعت من الناس أن هناك عرضاً مسرحياً من إخراج عبودة، فمضيتُ إلى حضوره، وكان عناد هو بطل المسرحية. أما باقي الممثلين، فقد تعرفتُ على الفتيات منهن إذ حضرن إلى بيتي مراراً، بينما ظللتُ أشك في معرفتي بالممثلين الذكور حتى تذكرت أنهم عمال ورشة الدهان أنفسهم، وكان الدهان/الممثل منهم إذا التقت نظراته بنظراتي في أثناء أداء دوره يقول لي: "أهلين أستاذ"، ويتابع مونولوغه، وبعد انتهاء العرض، جلس عبودة وعناد وفتاتان ممثلتان إلى المنصة كي يبدأ الحوار.. نظر إلي عبودة، وقال: "تفضل أستاذ.. المكريفون معك".

وجدت نفسي خلف الميكروفون، وكانت نظرات عبودة وعناد تتضرع إلى كي أمتدح عرضهما البائس والتافه، وفعلت ذلك، فشكراني بنظرات ممتنة. وكرّت السبحة بعد ذلك العرض ليقدما أكثر من عشرة عروض مسرحية في ظرف ثلاثة أشهر. وكانا يصوران هذه العروض بثلاث كاميرات فيديو يقوم بعد ذلك أحد أصحاب محلات الفيديو بعمليات المونتاج، ووضع شارة لكل مسرحية تبدأ بـ عناد محمود في.. هاملت.. تأليف شكسبير.. إخراج عبودة عبد الله.. أو عناد محمود في البرجوازي النبيل تأليف موليير.. إخراج عبودة عبد الله.. وكان كل عرض من هذه العروض يعرض ليومين أو ثلاثة أيام لا أكثر بتمويل من المنظمات الشعبية التي ترعى الهواة على الدوام..

بقيتُ ممنوعاً من الخروج حتى بعد زوال كآبتي لأن المريدين كانا يرددان دائماً: "لا تكن شخصاً عاماً.. دع الناس تحلم بمشاهدتك". وكانا يخدمانني كالسابق رغم انشغالهما بالمسرح...

وفي إحدى السهرات الصاخبة، سكر أحد المدعوين، وبدأ بامتداحي وإبداء إعجابه بي لكثرة ما سمع عني على لساني عبودة وعناد، وكان واضحاً أنه يريد أن يكون مريداً جديداً لي بمباركة من عبودة وعناد خاصة أن عبودة قد صرّح بأن هذا المريد الجديد سيقيم "معنا" بالمنزل، إلا أن المريد الجديد لم يكن على مستوى المسؤولية، فقد اقترب من إحدى الفتيات، وبدأ بمعانقتها فوراً وهو يقرأ مقطعاً رومنسياً من شعري.. فما كان من عبودة إلا أن جره من شعره إلى الخارج من دون أن يكترث لحالة الإقياء التي انتابت المريد الجديد. خرج عناد خلف عبودة الذي سحب المريد الجديد إلى الشارع، فخرجت خلفهما تاركاً الفتيات يمسحن السجادة من مخلفات الإقياء.

كان المريد راكعاً على قدمي عبودة وهو يبكي: " أرجوك دعني أدخل وأقدم اعتذاري"، بينما كان عبودة يرفسه دون رحمة على وجهه : "اخرس وانقلع". أما عناد، فكان يمسك المريد الجديد ويصفعه بعنف ويبصق في وجهه وهو يقول له: "أنت بدك تضل حمار.. انقلع"، تدخلت حاسماً وأنا أرمق المُريدَين بغضب، فافلتا المريد الجديد، وأمراه بالعودة إلى المنزل.. أي منزلي.

في اليوم التالي، كان المريد الجديد يقوم بالأعباء المنزلية كلها بينما كان المريدان يضعان قصائدي أمامهما ويكتبان أشياء غامضة على الدفاتر إلى أن سمعت أنهما يطبعان كتاباً شعرياً من تأليف عبودة عبد الله وهو بعنوان "النخيل يذرف التمر". وبعد شهرين كان عناد يتأبط شرائط الفيديو التي تضم التسجيلات الكاملة لأعماله المسرحية، وكذلك كان يفعل عبودة بنسخ أخرى من ذات الشرائط مضيفاً إليها كتابه الشعري والمقالات التي كتبت عنه في الجرائد بأقلام كتاب لم أسمع بهم في حياتي، ويقومان بوداعي. تعانقنا وبكينا من شدة التأثر.. وسافرا، عناد إلى إيطاليا، وعبودة إلى ألمانيا، بعد أن أوصيا المريد الجديد بأن يأخذ باله مني ويقوم على خدمتي كما كانا يفعلان وأفضل.

بقي المريد الجديد عندي على الرغم من الحماقات الكثيرة التي ارتكبها، فقد ضرب أحد النقاد لأنه وجه ملاحظة إلى شعري في المقهى. كما أنه ذهب سكراناً بصحبة أحدهم إلى منزل إحدى صديقاتي، وكانت تسكن مع صديقة لها، وطرق الباب عليها وهو يترنح ويقول بالفصحى: "نريد نساء". كما قام بالتهجم على أبي في مكتبه لأنه لا يقدّر مكانتي الشعرية. وفي إحدى أمسياتي الشعرية أحضر مائتي شخص من جمهور فريقي الاتحاد والحرية إلى القاعة كي يملأها.

وفي اتصال هاتفي من عبودة علمت أنه حصل على الإقامة بألمانيا تقديراً لشعره ومسرحه المضطهدين والمحاربين في بلادنا. وكذلك الأمر بالنسبة إلى عناد الذي حصل على الإقامة بإيطاليا. وكان المريد الجديد يتحرق شوقاً للسفر إلى ألمانيا أو إيطاليا بعد أن أوصاه عبودة بأن ينجز عدة أمور لم يشأ المريد الجديد أن يصرّح لي بها.

عدت إلى دمشق تاركاً المريد الجديد وحيداً وحزيناً في حلب كما قال لي وهو يودعني. وبعد شهرين من إقامتي في دمشق، قرأت قصيدة له في جريدة " السفير " ملطوشة بكاملها من قصائدي. وبعد خمسة أشهر، قرأت قصيدة له ملطوشة أيضاً من شعري وقد ذيّلها باسمه وبجانب الاسم قرأت كلمة.. "امستردام".
..

٠٣‏/٠٥‏/٢٠٠٦

البطل


"أن تكون من أهالي الدرباسية وتقطن في حلب، فهذه مصيبة، لأن عليك استقبال أهالي الدرباسية القادمين من أجل المعاملات أو للعلاج في المستشفيات الحلبية أو للبحث عن قريب ضائع.. إلخ.. وبوجه بشوش وصدر رحب وكرم لا متناهٍ، ويجب ألا تظهر امتعاضك أو انزعاجك من أية حادثة تمر بها في أيام وجودهم عندك وإلا اعتبروا هذا موجهاً ضدهم شخصياً، أما أن تكون صبياً مراهقاً، فهذه مصيبة أكبر من تلك، إذ أن مهمة مرافقة هؤلاء 'السّواح' ملقاة على عاتقك، وهكذا كنتُ المنكوب الأكبر في بيتنا لأنني الصبي الوحيد على ست بنات شامتات بي عندما أرتدي ملابسي صباحاً وأخرج في رحلة سياحية إلى الطبيب مع ضيوفنا المرضى.

ولا مجال للتهرب من هؤلاء، فقد جربتُ مرة ذلك عندما خرجت في رحلة سياحية مع زوج خالتي نورا التي كانت ضائعة في تركيا وعثرنا عليها بعد أربعين عاماً، كان زوج خالتي يريد أن يتسوق، وكان علي أن أرافقه وأن أترجم له، وظللنا في سوق الساعات لمدة ثلاث ساعات وهو يبحث عبثاً عن ساعة من ماركة 'سايكوبيش' كما يقول أو سايكو 5، وعندما ضقت ذرعاً به ومن مهمتيّ المرافقة والترجمة أوصلته إلى مستودع الأدوية الذي يملكه والدي وقلت له أن ينتظرني لدقائق كي أبحث له عن ساعة السايكوبيش.. وهربت، وبالطبع فإن والدي الذي ابتلي بالسائح المتسوق في مكتبه، حطم أضلاعي، ومارس علي شتى أصناف التعذيب الجسدي والمعنوي كي لا أفكر مرة أخرى مجرد تفكير بأن أجعله يبتلي بهكذا نوع من السيّاح.

وفي مرة أخرى تركت إحدى السائحات المريضات عند الطبيب وقد وضعت أرقام هواتف بيتنا ومكتب أبي في يدها المرتعشة وهي على سرير الفحص بعد أن انفجر رأسي من الترجمة للطبيب، فتارة تقول إن بطنها يؤلمها، وتارة أخرى كبدها ثم تستدرك 'لا.. الكلية'.. وانتهى الأمر بعجزي عن الترجمة عندما قالت لي إن الحالب هو الذي يؤلمها، وقتها لم أكن أعرف الكلمة الكردية التي تعني الحالب بالعربية، فتركتُ الطبيب مع مريضته الغامضة، وفركتها باحثاً عن معجم طبي كردي عربي لأنني سأحتاج إليه كثيراً، فما أكثر السواح المرضى في بيتنا.

وفي يوم مشهود خرجت في الصباح الباكر لأوصل السيد 'أحمد بيزكه' وزوجته 'غزي' إلى محطة القطار، وكنت في الثالثة عشرة من عمري وقتها، وبعد أن أجلست أحمد وزوجته في مقعديهما طلبتُ أن أودعهما، ولكنه أصر علي أن أبقى قليلاً، فالقطار لم يمشِ بعد، وهكذا كلما طلبتُ أن أمضي كان يصر علي أن أبقى وكأنني جالس في بيته إلى أن تحرك القطار، فركضتُ مسرعاً إلى أقرب باب، وبعد لحظات من التفكير والجبن رميت نفسي مغمضاً عيني، وتدحرجت على الأرض، ثم انتبهتُ لبطاقتيهما في يدي، فركضت خلف القطار وأنا أمدّ البطاقات لأحد الأشخاص الواقفين قرب الباب، ولكن دون جدوى.

ذهبت إلى المسؤولين في المحطة، وشرحتُ لهم الوضع، فأرسلوا برقية إلى المحطة التالية، وهي محطة 'جبرين' وسويّ الأمر. لقد ذاق العجوزان الويلات على يدي المفتش إلى حين وصولهم إلى جبرين وصعود الموظف الوحيد في محطتها إلى القطار كي يبرئ المتهمين، فدهش أحمد بيزكه لذكائي بالإضافة لاندهاشه ببطولتي عندما رميت نفسي من القطار كما سمعت فيما بعد.

بعد شهر وصلتنا الأخبار إلى حلب، لقد أصبحتُ بطلاً قومياً في الدرباسية بفضل أحمد بيزكه، فهو يدور في سوق الدرباسية ويتحدث عني، وفي كل مرة يضيف عشرة كيلو مترات على سرعة القطار عندما رميتُ نفسي منه، كما كان يتلذذ بلفظ كلمتي 'برقية' و'محطة جبرين' للمستمعين المندهشين من ذكائي الخارق أنا الذي خرجتُ حماراً رسمياً من كل العقود التي وقّعتها في حياتي بدءاً من عقود الزواج والطلاق وانتهاء بعقود العمل. ولم تكن علاقتي بالبطولة بأفضل من علاقتي بالذكاء، فبالإضافة لغبائي كنت جباناً أمام كل ما له علاقة بالتكنولوجيا بدءاً بالكهرباء والغاز وانتهاء بالسيارات والطائرات. وقد احتجت إلى أكثر من نوع من المهدئات قبل أن تطأ قدمي الدرجة الأولى من درجات الطيارة بالإضافة لابتلاعي لكافة أنواع الكحول الموجودة في الطائرة لا حباً به بل خوفاً من هذا الارتفاع الهائل الذي أنا فيه، كما إنني أبقى متيقظاً في الباصات وأراقب الطريق مع السائق دائماً وأطلب منه أن يخفف السرعة، بينما لا يمل أحمد بيزكِه من الحديث عن بطولتي وذكائي في ذلك اليوم المشهود.

ما إن صعدت في السيارة التي ستمضي إلى الدرباسية من القامشلي حتى قلت للسائق : 'على مهلك'، فابتسم قائلاً : 'لم أجد بطلاً متواضعاً مثلك، بالمناسبة كل الأبطال لا يحبون الاستعراض مثلك'. لذلك اضطررت إلى تحمل كل تشفيطاته على الطريق المحفّرة وتلذذه باستعراض السرعة أمامي ولم لا فأنا 'البطل'. حتى وصلت إلى الدرباسية شبه ميت من الرعب خاصة وأن السائق طلب مني أن أرمي نفسي من السيارة وهي بسرعة مائة وعشرون كي يتأكد الركاب الذين معه من أنني البطل بشحمه ولحمه.

لم أسترح من تعب السفر حتى أمسك بي أحمد بيزكه وهو وسط حشد من الجماهير المستمعة وهو يصرخ بانفعال: 'هذا هو البطل الذي كنتُ أحدثكم عنه'. وكانت سرعة القطار الذي رميتُ نفسي منه قد تجاوزت المائتي كيلو متر في تلك اللحظة.

وبقيت في الدرباسية لعشرة أيام استخدمني فيها أحمد بيزكه كوسيلة إيضاح، واستثمرني كأفضل ما يمكن لمستثمِر أن يستثمِر، كان يمسكني من ياقة قميصي، ويرفعني عن الأرض نصف متر كي يرى الجمهور قامة البطل وهو يردد: 'هذا هو البطل العبقري'.

لم أعد أطيق الذهاب إلى الدرباسية، فإذا كنت راكباً على دراجة هوائية كان المارة يطلبون مني أن أرمي نفسي، وإذا صعدتُ عربة يجرها حمار كان الحوذي يلسع الحمار بالسوط كي يسرع ثم يلتفت إلي قائلاً :'هيا ارمِ نفسك أيها البطل'، أما إذا كنت راكباً في سيارة، فإن الركاب يصرخون بالسائق أن يسرع ويطلبون مني أن أحدد أية سرعة أحب أن أرمي نفسي، هذا بالإضافة إلى أنني كنت مطالباً بتفسيرات وشروحات عن محطة جبرين التي بات اسمها على كل لسان، وأصبحتْ أشهر من حلب ودمشق بل وحتى من نيويورك نفسها.

ومع مرور الزمن، كان رُهابي من السيارات والقطارات والطائرات يزداد، حتى أنني وصلتُ إلى الدرباسية ذات يوم شاحباً بسبب عدم استطاعتي النوم في القطار خوفاً، وبسبب توتري على طريق القامشلي درباسية، ومصادفة وجدتُ ابن أحمد بيزكه يحكي لجمهرة من الناس عن 'بطولاتي'، فاخترت طريق العودة إلى حلب بقلب مرتجف وروح خائفة من حماقات السائقين"

٢٥‏/١٢‏/٢٠٠٥

أُمّة فيروز


"إلى فيروز في يوم ميلادها السبعين

ذات يوم خريفي من عام 1985 قررنا عدم الذهاب ـ نحن الممثلون في المسرح الجامعي بحلب ـ إلى تدمر كي نقوم بأداء أدوارنا ككومبارس في فيلم (وقائع العام المقبل) للمخرج سمير ذكرى إلا إذا وفرت لنا إدارة الجامعة الفرصة لحضور حفلة فيروز على مدرج بصرى قبل موعد التصوير بيوم واحد،

كانت تدمر وما زالت تقع وسط سوريا تماماً بينما تقع بصرى جنوب سوريا، لذلك كان علينا بعد حضور حفلة فيروز الانطلاق ليلاً باتجاه تدمر كي نؤدي دور الجمهور الذي يحضر حفلاً موسيقاً لموسيقي سوري يعاني من البيروقراطية وتعنت المسؤولين، ونجح اعتصامنا غير المعلن بل واستطاعت إدارة جامعة حلب الحصول على بطاقات خاصة بنا لحضور الحفلة، ونظراً للفائض في البطاقات قررنا دعوة زملائنا الأدباء في الملتقى الأدبي ليذهبوا معنا، وكنت وقتها أنتمي إلى الطرفين معاً، وانطلق باصنا المجيد باتجاه دمشق.

وكالعادة بدأت الانقسامات فور صعودنا، فجماعة الملتقى الأدبي اتخذت المقاعد الخلفية ملاذاً لها بعيداً عن الأضواء التي يسعى إليها الممثلون الذين احتلوا المقاعد الأمامية، وبدأ الممثلون بالتهريج وإطلاق النكات بينما كان الأدباء يرددون الأغاني الملتزمة بوقار شديد، فاختلطت الأصوات ببعضها البعض، ودخلت النكات بقوة كفواصل في قلب الأغنية الواحدة فكنا نسمع (واحد أحول طلق زوجة أخيه) على خلفية أغنية حزينة عن الشهيد لسميح شقير تقول كلماتها (رجع الخي يا عين لا تدمعي له) أو نكته عن (خمسة يمينين سموا أنفسهم الفرسان الثلاثة) على أنغام أغنية لمارسيل خليفة (جينا ع الدار جيناكي.. يمن الأحرار جيناكي)، وما بين التزام الأدباء ومياعة الممثلين كنت عصفوراً طائراً بين الفريقين تشدني نظرة صارمة من أحد الأدباء إلى فريق الأدب وتأخذني ابتسامة عاتبة من إحدى الممثلات إلى فريق الممثلين، لكنني كنت في باص كالجميع حدد لنفسه اتجاهاً جغرافياً واحداً هو.. فيروز..

وصلنا إلى جامعة دمشق ظهراً وهناك طلب البعض منا أن نبيعهم بطاقاتنا، ولكننا رفضنا بشمم وإباء رغم المبالغ الهائلة التي دفعوها لنا، لكن صديقي الممثل وديع عمسيح باع بطاقته بألفي ليرة 'خمسمائة دولار' وقتها، وقال لي: 'ستكون هناك فوضى وسيدخل الناس دون بطاقات'.

وصلنا إلى بصرى مساء، ودخل باصنا الجليل إلى المنطقة المحيطة بالمدرج فوجدنا أمَّة فيروز كلها بانتظارنا، آلاف وآلاف البشر من كل الأصناف، ضباط ومسؤولون وطلبة وأغنياء وفقراء ورجال ونساء وأطفال وشيوخ ورضع وبائعو مرطبات وحلويات وموالح وساندوتيش و..و.. نظر إلي وديع مبتسماً وهو يهدئ من روع نفسه 'أرأيت.. سيدخلون الناس بدون بطاقات' قلت له أنا الصامد الذي رفض بيع بطاقته 'بالعكس.. لن يدخل أحد دون بطاقة لأن المدرج لن يتسع لكل هذه الأمة'، ارتعد وديع من نظريتي واصفر وجهه من فكرة عدم حضور حفلة فيروز، تابعت بسادية، 'لقد وضعوا مكبرات صوت في الخارج كي يستمع الذين لا يملكون البطاقات من خارج المدرج'.

امتقع لون وديع ونشف ريقه وهو ينظر إلي برعب، أخرجت بطاقتي من جيبي وتلمستها بحنان، نظر وديع إلى بطاقتي وبلع ريقه كجائع يقف أمام باب المطعم.

وقف عناصر حفظ النظام أمام الباب الذي فتح لتوه وبدأوا بتنظيم عملية دخول أمة فيروز، كل بطاقته في يمينه، وطفرت دمعة من عين وديع اليمنى وهو يلاحقني كظلي.

التحق بي صديقنا السوداني منتصر والممثلة لبابة يونس وشقيقتها سراب، قالت لبابة 'اجمعوا بعضكم' وجمعنا بعضنا واتجهنا نحو الباب وكان وديع يدحش نفسه بيننا ممنياً نفسه بدخول جماعي لجماعة المسرح الجامعي.

كان أصحاب البطاقات يقفون ممسكين بطاقاتهم بقوة كالهررة الممسكة بفخذ فروج مشوي وسط نظرات الحسد والحسرة من باقي أمة فيروز التي بلا بطاقات، قال لي وديع متحسراً 'ندمان يالقمان.. والله ندمان' ابتسمت بشماتة وقلت له 'تحتاج إلى ثورة كي يتم الدخول من دون بطاقات'.. ثورة!!.. فكر وديع في الأمر ونظر إلى الحشود التي بلا بطاقات نظرة متأملة ذات مغزى، حزرتُ بم يفكر فأردفت 'ولكن الثورة بحاجة إلى رجال.. وإلى قائد أيضاً'، نظر إلي وديع باهتمام وتابعنا مسيرتنا باتجاه الباب.

وعلى الرغم من الزحام الهائل فإن رجال حفظ النظام كانوا يتعاملون بصرامة مع مجرد أن يفكر أحدهم بالدخول دون بطاقة، ولكن كان لأمة فيروز رأياً آخر، فقد اندلعت الثورة فجأة، ثورة الفقراء ـ هم ليسوا بفقراء بدليل أن وديع يملك خمسمائة دولار في جيبه ـ ولكنهم فقراء فيروز.. ثورة الذين بلا بطاقات، نظرت إلى جانبي فلم أجد وديع، بحثت عنه بين مجموعة المسرح ولكن لا أثر له.. اختفى، اقتربت حشود الثوار منا.. خبأت بطاقتي في جيبي خوفاً من أعمال النهب التي ترافق الثورات عادة، نظرت بهلع إلى رجالات الثورة فوجدت وديع يتقدمهم كذئب جريح وهم يرددون خلفه شعاراً واحداً فقط 'عليهم يا شباب'.

صرخ بنا 'عثمان عثمان' أن نتفرق كي لا نضيع وسط الفوضى، فأمسكنا بأيدي بعضنا البعض ونحن نتلقى الضربات من هنا وهناك، ولكننا قبلنا بالأمر الواقع ونحن نرى حال الوزراء وهم يتدافعون بشراسة دون مرافقيهم الذين هرعوا باتجاه البوابة تاركين أسيادهم لمصيرهم المجهول.

حاول رجال حفظ النظام إيقاف وديع وثورته ولكنهم فشلوا أمام الشعار الحماسي اللاهب ألا وهو 'عليهم يا شباب' والذي كان يصدر من الأمة الثائرة على شكل حشرجة جماعية لا على شكل هتاف، وبسرعة لا متناهية امتدت ثورة البطاقات ودخلت أمة فيروز كلها في الثورة بعد أن رمينا البطاقات وانجرفنا مع التيار الثوري ونحن نردد شعار الثورة العظيم 'عليهم يا شبااااب'.

تراكضنا على المدرج الأثري ونحن نبحث عن مكان استراتيجي نجلس فيه، بينما حظي رجالات الثورة ومن بينهم وديع بأقرب الأماكن وأفضلها، وعاد رجال حفظ النظام إلى عملهم المعتاد بمساعدة الثوار أنفسهم لتنظيم عمليات جلوس الأمة، وجلسنا أخيراً لبابة وسراب وأحمد جمالي ومحمود الخطيب وأنا بجانب بعضنا البعض بانتظار الملائكة.

أغلقت الأبواب ودخل أكثر من ثلاثين ألف إلى المدرج الذي لا يتسع لأكثر من خمسة عشر ألفاً، بينما بقي في الخارج ثمانون ألف شخص من أمة فيروز اللامتناهية العدد مكتفين بسماع صوتها من المكبرات الخارجية، تأخرت فيروز.. مرت ساعة ولم تظهر فيروز، لكن أحداً لم يتأفف، كانوا جميعاً راضين وسعداء، وكان العميد المسؤول عن التنظيم يتمشى مسروراً في أنحاء المدرج وهو يرقب جماهير السعادة بعين الرضا، ويمر بين رجاله.. رجال حفظ النظام الذين قهرتهم الثورة قبل ساعة ويرمقهم ـ مع ذلك ـ بفخر واعتزاز.

ساعتان بالتمام والكمال والجماهير تنتظر على المدرجات ،على الأرض، على فواصل المشاة، تحت البيانو، بين العازفين، خلف المايسترو سليم سحاب ـ كم أعجبنا به يومها ـ وفيروز لم تظهر بعد، كان أعضاء الفرقة ينتظرون فيروز معنا، وكان يتفقون مع الجمهور الذي يجلس بينهم على المساحات اللازمة لكل عازف كي يعزف، فقد كانت الفرقة تحتل الأرض التي تحت المسرح مباشرة، وكان بين العازف والعازف أكثر من عشرة متفرجين، أما البيانو فقد جلس تحته أكثر من عشرين شخصاً بالانتظار.

وظهرَتْ.. بيضاء، بيضاء.. بيضاء.. لا ينقصها شيء كي تكتمل، لكن لا شيء يكملها، سر من الكمال، سر من النقصان، بياض رهيب.. مخيف.. حنون.. جمال لا متناه أمامي، لكن بعيد.. بعيد، طفل يحبو وهو ينظر إلى الأرض ثم يرفع رأسه فجأة فيتجمد الجميع، تجمدنا جميعاً وصمتنا جميعاً، حتى دقات القلوب، وغنت فيروز، لم يصدق أحد أنه يرى ويسمع، لم يصدق أحد أنه كان موجوداً في هذا المكان في ذلك الوقت، تلمست جسدي.. ووضعت كفي على وجهي كي لا ترى لبابة دموعي، ثم خطفت نظرة فرأيت جميع الأكف وقد غطت جميع الوجوه.

انتهى الفصل الأول وغادرت فيروز إلى استراحتها وبدأنا رحلة انتظار أخرى، لكن هذه المرة مع ثوار جدد، فقد اندلعت الثورة الثانية في الاستراحة، وكانت ثورة عبوات المياه البلاستيكية الفارغة إذ كان المتمردون الجدد يرمون بعبوات المياه البلاستيكية من الأعلى إلى الأسفل، فترتطم العبوة برأس أحدهم فيرميها أوتوماتيكياً باتجاه رأس آخر على الدرجات الدنيا، وبالطبع فقد نلنا نصيبنا عندما سقطت عبوة على رأس لبابة فأمسكت بها كي ترميها لكن كان لأحمد أن ينتزع العبوة وينال شرف رميها بنفسه، ويا لهول ما حدث، فقد ارتطمت العبوة برأس العميد الآمر الناهي في ذلك اليوم، نظر العميد إلينا فأشرنا بدون تردد إلى أحمد في لحظة خيانة تاريخية لا شعورية، وكانت ليلة القبض على أحمد.

بعد اقتياد أحمد إلى سجن المسرح توسلنا العميد والملازم الفخور بمعلمه أن يخرج ولكن العميد رفض ذلك وقال بأنه لن يخرج إلا بعد انتهاء الحفلة كعقوبة يجب على أحمد أن لا ينساها طيلة عمره، وأية عقوبة؟!.. حرمانه من فيروز، وبالطبع فقد وافقنا نحن الخونة على التسوية، بل وسرعان ما نسينا أحمد مع الظهور الخيالي الثاني لفيروز.

اندمجنا كلياً، وكانت سراب يونس أكثر المندمجين، كيف لا وهي التي تغني لنا أغاني فيروز كل يوم بصوتها المنتمي إلى أمة فيروز، بل إنها سجلت شريطاً مع ميادة بسيليس وهاسميك لأغان فيروزية قديمة وبتوزيع سمير كويفاتي ذلك الصديق الحنون وأحد أشاوس أمة فيروز الممتدة إلا ما لا نهاية، وذلك في العام 1985 أيضاً.

انتهى الحفل ولم ينته، كانت كلما همت بالذهاب نعيدها إلينا، لو ظلت فيروز تستجيب لأصواتنا المطالبة بعدم ذهابها لبقيت واقفة على مسرح بصرى وسط بكائنا وتصفيقنا طيلة الزمان.

لكن لكل حلم نهاية، وكانت نهاية حلمنا كابوس المغدور به 'أحمد جمالي' القابع خلف القضبان يرزح في القيود والاصفاد والأغلال وهو يغني أغنية لفيروز تدعى 'يا حرية' 'يا زهرة برية'، هرعنا نبحث عن العميد لكن دون جدوى، اختفى العميد الظالم، وباص الجامعة ينتظرنا، رحلتنا إلى تدمر طويلة، والمخرج ينتظرنا نحن الكومبارس العتيد.

أرسلنا الجميع إلى الباص بعد أن تبرعنا بإحضار أحمد أنا وعثمان، وفي غمرة بحثنا اليائس عن العميد عثرنا على الملازم قلنا للملازم بأننا نريد زميلنا، فقال لنا بعنجهية بأنه لا يستطيع إخراجه إلا بأمر شخصي من العميد..

ـ لكن العميد قال بأن تخرجه بعد انتهاء الحفل.

ـ لا أستطيع.

ـ والحل؟!..

ـ نذهب ونقابل العميد، قالها لنا وكأنه يشجعنا على ذلك، وافقنا.. ومشينا خلفه إلى حيث العميد ودخلنا في ممرات مظلمة واجتزنا دهاليز أثرية من دهاليز مدرج بصرى الروماني الشهير إلى أن وصلنا إلى بوابة فخمة مغلقة، كان هناك بعض الحراس الذين سمحوا لنا بالدخول مع الملازم إلى أجمل قاعة رأيتها في حياتي، ليس لأنها باهرة التصميم، وليس لأنها تضم نخبة النخبة من البشر الجالسين إلى مائدة عشاء طويلة، وليس لأننا شاهدنا أعضاء فرقة فيروز الجالسين إلى العشاء، وليس لأننا شاهدنا العميد شخصياً كي يفرج عن صديقنا أحمد، بل لأننا لم نشاهد كل هذا، لم نشاهد سوى حلمنا الوحيد منذ أن خلقنا وهو يتجسد في صدر المائدة، إنها فيروز بثوب خرافي وشعر سابل يكاد أن يكون موسيقا، بل إنه موسيقا.

أشار الملازم إلينا وهو يحادث العميد ولكن العميد الذي نهض من على كرسيه البعيد عن فيروز وعوضاً من أن يتجه إلى الملازم وعثمان اتجه نحوي، نعم نحوي.. فقد كنت في تلك اللحظة قد أصبحت واقفاً بهيئة راكع بجانب فيروز، ووقف العميد إلى الجهة الأخرى من فيروز وقال لي: شو مشكلتك؟!.. نظرتُ إليه ثم قلت لفيروز 'أنا بحب أبنك زياد'، نظرت إلى فيروز أنا ابن التاسعة عشرة عاماً وسبعة آلاف حالة ارتجاف وخمسة آلاف لون ممتقع وريق ناشف وملايين الملايين من ضربات آلة مسكينة تدعى القلب وقالت لي.. نعم.. قالت لي أنا لقمان ديركي ابن حسين وشاهي مواليد الدرباسية في 1/1/1966 ليلة رأس السنة في الساعة الثانية عشرة وثلاث دقائق.. نعم.. أنا هو الذي قالت له 'وهو كمان بيحبك'، نظرتُ إلى العميد بفخر واعتزاز فوجدته في تلك اللحظة يحترمني جداً جداً..

نظر العميد إلى فيروز ثم قال لي بحنان، 'شو القصة يا ابني'؟.. قلت له بأن صديقي سجين عندهم وهو لن يخرج إلا بأمر منه شخصياً وأنه وعدنا بإخراجه بعد انتهاء الحفل وأننا ممثلون ولدينا تصوير فيلم سينمائي في تدمر وأضفت بأنني شاعر أيضاً، قلت كل ذلك وأنا أنظر إلى فيروز، قالت لي فيروز.. نعم.. مرة ثانية قالت لي شخصياً 'وليش محبوس' حاولت الإجابة ولكن سيادة العميد سبقني وقال لها باعتزاز شديد مبتسماً ومشيراً إلى نفسه 'ضربني بقنينة المي على راسي'، نظرت فيروز إلي مستفسرة ومستنكرة ما حدث فخفضت نظري واعترفت لها بالذنب العظيم 'أي مظبوط.. ضربه على راسه بالقنينة'، خاف العميد أن تزعل فيروز فقال لها 'كانوا عم يلعبوا .. يعني مزح ست الكل'، نظرت فيروز إلي معاتبة وقالت لي بمزاح محبب بل وكادت أن تقرصني من خدي 'أي بيستاهل.. لازم ينحبس.. معقول في حدا بيضرب الناس بالقناني بحفلتي'؟... ضحك الحاضرين جميعاً واكتشفتُ لحظتها أن أنظارهم وأسماعهم مشدودة إلى حديثنا بينما كان العميد يؤكد لهم بفخر شديد بأن العبوة وقعت على رأسه هو شخصياً. استغل العميد الحادثة كي يطيل المحادثة مع فيروز وقال لها 'ست الكل.. أنا سامحته كرمالك .. وإذا بتسامحيه سيادتك رح بطلعه من الحبس'، نظرتُ إلى فيروز بتضرع كي تسامح أحمد.. استنجدت بعثمان فوجدته يمد يده إلى الطعام ويأكل ما تيسر منه.. بل وشاهدته يسرق حبتي أناناس ويضعهما في حقيبته الثقافية، تابعتُ نظرات التضرع ثم قلت لها.. لفيروز طبعاً.. 'حضرتكم بتعرفوا أنوا أنا بحبو لزياد'.. وفكرت .. طالما أنني أحب زياد فإنها ستعتبرني مثقفاً وبالتالي فإنها ستعتبر الحالة كلها لعب بلعب كما قال لها الضحية نفسه.. سيادة العميد..

نظرت إلي فيروز وقالت 'خلص.. سامحته' ثم قالت للعميد 'طلعوه'.. انتفض العميد وأعتقدُ أنه ألقى تحية عسكرية لها وقال 'حاضر سيدي' ثم قال للملازم 'طلعوه' فألقى الملازم بدوره تحية عسكرية للعميد وقال 'حاضر سيدي' وقال لي 'يا الله أمشي معي' .. لم أمشي بقيت واقفاً، نظرت إلي فيروز مبتسمة وسعيدة بعد أن انتهت المشكلة وفجأة هجمت على يدها وقبلتها ووضعتها على رأسي ثم مضيت خلف الملازم ولمحت في غمرة سعادتي الخرافية عثمان وهو يأخذ صدر دجاجة على الماشي ويركض خلف الملازم.

كانت الساحة في الخارج خاوية تماماً إلا من باصنا المنتظر، وكان الأسير قد تحرر وهو يمشي بجانبي، صعدنا إلى الباص، وانطلق باصنا من جديد، جلس الجميع يستمعون إلى مغامرة أحمد في الأسر في سجون العدو الغاشم وهم يحيون صموده بينما كان عثمان يحاول أن يعرف كيف تؤكل حبات الأناناس دون جدوى، بينما كنت أفكر أنني قابلت الأميرة.. تحدثت مع الملكة.. بل إنها حدثتني أيضاً.. بل ابتسمت لي.. بل ضحكت لي.. كنتُ أنظر إلى الوجوه المرحة في الباص وأقول في نفسي.. 'يا إلهي.. إنهم لا يعرفون من أنا.. لو عرفوا.. ماذا كانوا سيفعلون'؟.. نعم.. أنا هو.. بذاته.. من قابل الملكة.. بل وقبًّل يدها أيضاً.. نعم.. سأنجب الكثير من الأطفال.. فقط لأقول لهم أن والدهم فعل ذلك في ليلة خريفية من ليالي عام 1985."

٢٥‏/١٠‏/٢٠٠٥

رحلة إلى عين ديوار

"(هذا موضوع إنشاء كتبه تلميذ في الصف الخامس من مدرسة الدرباسية الموحدة في وصف رحلة قامت بها المدرسة إلى عين ديوار).

استيقظنا في الخامسة صباحاً وركضنا نحو باص 'الهوب هوب' الواقف أمام باب المدرسة، وكان ملوناً وجميلاً وقد كُتب عليه 'سكانيا يتكلم والفولفو يتألم'. وكان التلاميذ يقفون في الطابور بانتظام وهم يصعدون إلى الباص، وكان الأستاذ يحمل عصا مصنوعة من قضيب الرمان أهداه إياها ابن مدير الناحية، وكان كسلاناً، ولكن ترتيبه كان الأول دائماً، وكان الشيخ خضر السائق يشطف الباص، فكان التلميذ الذي يصعد يطرّطش التلميذ الذي خلفه بالماء. ثم قال لنا الأستاذ: 'اجلسوا في الخلف'، فجلسنا وقال لنا: 'تكتفوا'، فتكتفنا، وجلس أصدقاء الأستاذ والآنسات في الأمام بينما جلس الأستاذ والآنسة ريما في 'الجيم'(1) وانطلق الباص.. فصفقنا جميعاً، فقال لنا الأستاذ: 'اخرسوا.. شو مفكرين حالكم بالطيارة؟'. ووضع الشيخ خضر شريطاً للمطرب 'صلاحو'(2) وكان يغني أغنية كروانو، وكان الباص يطير طيراناً. انزعج الأستاذ من أغنية كروانو، وطلب تغيير الشريط، ولكن الشيخ خضر لم يقبل، فأخرج الأستاذ الشريط من المسجلة، فانزعج الشيخ خضر، وضرب 'فريناً'(3) قوياً، فتوقف الباص، وارتطمت رؤوسنا بالمساند الحديدية، وسالت الدماء من أنوفنا، ومسحناها بثيابنا، وعاد الشيخ خضر بالباص إلى الدرباسية، وكان الباص يطير طيراناً. أوقف الشيخ خضر الباص أمام باب منزله، وشد حبل الزمور، فخرجت زوجته أمينة، وصنعتْ له إبريق شاي أكرك عجم، فجلس على الكرسي الصغير وهو يدخن سيجارة الحمراء الطويلة، وجاء أصدقاء الأستاذ، وتوسلوا إلى الشيخ خضر أن يصعد إلى الباص، ولكنه لم يقبل، وكانت زوجته أمينة واقفة بجانبه فخورة به، ثم جاءت الآنسات وطلبن منه أن يصعد كي نذهب إلى الرحلة، فرفض أيضاً، ثم اعتذر منه الأستاذ، وطلب منه أن يصعد كي نذهب إلى عين ديوار، ولكن الشيخ خضر انزعج وقال : 'لن أذهب إلى عين ديوار إلا على جثتي'، وتذكرنا جميعاً درس البطل يوسف العظمة ومعركة ميسلون. ثم جاءت الآنسة ريما وقالت له : 'أنت أحسن سائق في العالم.. هيا نذهب إلى عين ديوار من أجل التلاميذ'، فنهض الشيخ خضر، وضرب زوجته أمينة، ورفس إبريق الشاي، وصعد إلى الباص.. وانطلق الباص من جديد، فقرصته الآنسة ريما من خده، وقالت له : 'شكراً يا خضر'، فضحك الشيخ خضر، ولمحنا سنه الذهبي، ورمى شريط صلاحو من النافذة، وكان الباص يطير طيراناً. وبدأ أستاذ الرياضيات يغني 'كنا ستة على النبعة'، وكنا نردّد وراءه 'أجا المحبوب صرنا سبعة'، وكان الأستاذ يصفق والآنسة ريما ترقص بعد أن خلعت إشاربها وربطته على خصرها، وكان صديق الأستاذ دربكجياً بعد أن ظنناه أستاذاً، وشاهدنا المناظر الطبيعية على الطريق، وشاهدنا الأنهار الجميلة والينابيع، وشاهدنا الزهور التي على شكل ساعات، وشاهدنا الجبال الخضراء والسهول الجميلة، وشاهدنا البقرة التي تسابق القطار ولم نشاهد القطار، وشاهدنا السدود التي تمنع الفيضانات وتولد الكهرباء، وشاهدنا الفلاح النشيط وهو يطرد الإقطاعي البغيض، وشاهدنا الفلاح النشيط وهو يحرث بالمحراث الحديث والفلاح العادي يحرث بالمحراث القديم، وكان المحراث الحديث أفضل بكثير، وشاهدنا رئيس الجمعية يدافع عن الفلاحين، وشاهدنا الصهيوني الجبان يهرب من أمام الجندي العربي، وكان الباص يطير طيراناً. ثم وصلنا إلى عين ديوار فقال لنا الأستاذ : 'اجلسوا تحت شجرة التوت'، فقال له حلّزو: 'ولكنها شجرة تين'، فقال له الأستاذ : 'اجلسوا تحت شجرة التين يا حمار'، وجلسنا، وكانت شجرة توت، ثم قال لنا الأستاذ: 'تكتفوا ولا تتحركوا، أريدكم تلاميذ شاطرين في الرحلة'، وبدأ يلعب لعبة الغميضة مع أصدقائه والآنسات بينما كان الشيخ خضر يصنع الجمر لأركيلته، وكنا نبكي ونسعل من الدخان ما عدا حمو ومامو لأن أباهما قصّاب. وكان الأستاذ يختبئ مع الآنسة ريما بين الأشجار، وعندما كانا يظهران كان فم الآنسة ريما يصبح أحمر مثل جمر أركيلة الشيخ خضر. ثم قال لنا الأستاذ: 'لا تسبحوا في النهر لأن فيه برّامات' وسبح هو والآنسات وأصدقاؤه، وكان الأستاذ يغطس تحت الآنسة ريما ويختفي، وكانت الآنسة ريما تصرخ ضاحكة :'آي'، ولكن آرتين لم يسمع كلام الأستاذ، وسبح في النهر، فغرق، فضربه الأستاذ ثم أنقذه، وصنع له التنفس الاصطناعي، وقال للآنسة ريما: 'هيا اغرقي بسرعة'. ثم قال لنا الأستاذ : 'هيا لنلعب بالكرة الطائرة'. قسّمنا ثلاثة فرق، فريق خلف الأستاذ ليجلب الكرة، وفريق خلف فريق أعداء الأستاذ ليجلب الكرة، وفريق في المنتصف مكان الشباك، وكان الأستاذ يضرب الإرسال القوي، فترتطم الكرة برؤوسنا وكان يقول لنا: 'وطّوا رؤوسكم يا عرصات'، ثم خسر الأستاذ، فمزق الكرة، وسمعنا صوت انفجارها العظيم، وضربنا جميعاً، وجلس يلعب بالطرنيب الـ 41. وفجأة قال الأستاذ '14':، فصفقنا له جميعاَ، وقلنا له عدد الطرنيبات التي في ورق خصومه، ولكنه لم يربح من الـ 14 سوى اثنين، فضربنا جميعاً، ومزق الورق، وقال لنا :'حضروا الطعام يا كلاب'، فهرعنا نحضر الطعام، وكان حمو ومامو يشويان اللحم لأن أباهما قصاب، وكان جاكو يغسل الصحون ورستم ينشفها، وكان ولاتو ينقل الصحون مع سلامو وشارو ويضعونها أمام الأستاذ وأصدقائه والآنسات، وقال لنا الأستاذ: أخرجوا صندويشاتكم لأن اللحم يوسخ أيدي التلاميذ، فأخرجنا صندويشاتنا، وبدأنا نأكل الزيت والزعتر، وكان صندويشاً لذيذاً، وكان الأستاذ وأصدقاؤه يأكلون الشقف والكباب والشيش طاووس. ثم بدأ الأستاذ يصب الماء في الكؤوس حتى منتصفها ثم يصب الماء فوق الماء فيصبح حليباً، ثم شرب الأستاذ كأسين من الحليب، فبدأ يغني 'لماذا يا بنفسج'، ثم شرب كأساً ثالثة، فمد يده على شعر الآنسة ريما، ثم شرب كأساً رابعة، فمد يده على شعر الآنسة سلوى، فصفعته صفعة قوية، وقالت له :'شو أنت أحول يا حقير'، فنهض الأستاذ غاضباً، ورفس كؤوس الحليب والصحون، وضربنا جميعاً، وقال: 'اصعدوا إلى الباص فقد انتهت الرحلة يا حيوانات'. وانطلق الباص من جديد، ولم يدق صديق الأستاذ على الدربكة، ولم ترقص الآنسة ريما، ولم يغن أستاذ الرياضيات 'كنا ستة على النبعة' ولم نرد وراءه 'أجا المحبوب صرنا سبعة'، ولم يصفق الأستاذ، ولم نشاهد المناظر الطبيعية، ولا الأنهار، ولم نشاهد السدود التي تولد الكهرباء وتمنع الفيضانات، ولا الينابيع، وشاهدنا الإقطاعي البغيض يضرب الفلاح النشيط الذي كان يستنجد برئيس الجمعية، ولكنه لا يردّ عليه، ولم نشاهد البقرة التي تسابق القطار، ولم نشاهد القطار، ولم نشاهد الفلاح النشيط وهو يحرث على المحراث الحديث، وكان المحراث القديم أفضل بكثير، ولم نشاهد الجبال ولا البحيرات ولا السهول الخضراء، ولم نشاهد شيئاً.. ثم عدنا مسرورين."

١٣‏/٠٧‏/٢٠٠٢

الملاك الغاضب

"
لا تعبرْ من أمام البيت
وإذا عبرتَ
فلا تلتفتْ
لأنك لا تعرف
أن في البيت
من يشتاق إليكْ


لا تطرق الباب
وإن لمحتني
لا تعانقني
لأنك لا تعرف
أن في هذا الجسد
من يشتاق إليك


اقتلني
وصفّر بفمكَ
كأنك لم تفعل
ولا تَسَلْ عني
ومزق صورتي في عينيكْ


لا تبحث عني في الشوارع
أو البارات
ولا تأخذ بكلام الناس
اعرفني وحدكْ
فتقتلني وحدك
و تبقى روحي في جثتي تشتاق اليك
" ..