٢٠‏/٠٥‏/٢٠٠٧

فيجة


"في كل بلاد الدنيا يشربون المياه المعدنية، زجاجات وعلب وعبوات بأشكال مختلفة باستثناء دمشق فما زال أهاليها المحظوظون يشربون من حنفية المياه والتي يسميها الدمشقيون بالفيجة تيمناً بمعمل المياه الطبيعي نبع الفيجة العجيب.لا توجد لدي معلومات عن نبع الفيجة بالشكل الكافي كي أكتبها لكم فأنا كنت من أشد الطلاب كسلاً في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والعلوم، لذلك قيموا من بالكم أن تسمعوا مني قائمة بمكونات مياه عين الفيجة السحرية من هيدروجين وأشياء أخرى لا أفهم فيها، ولكنني أستطيع أن أتحدث عن علاقتي بها، وقد استندت في أقوالي على جملة شهيرة سمعتها مراراً ولم أفهم معناها، ولكنني الآن فهمت تماماً شيئاً من معناها، هذه الجملة تقول ' اللي بيشرب من مية الشام بيرجع لها '.
كنت في طفولتي ومراهقتي أقوم بغزوات طويلة المدى من حلب الى الدرباسية أو من حلب إلى دمشق، '. وفي إحدى المرات كنت في بيت عم من أعمامي الكثر المنتشرين في العاصمة وفتحت البراد لأشرب الماء ولكنني لم أجد زجاجات الماء فيه، قال لي ابن عمي أن أشرب من الفيجة فقلت بأنني أريد ماءً بارداً فضحك وفتح الحنفية وطلب مني أن ألمس المياه بيدي ففعلت، كان الماء بارداً بشكل سحري، انحنيت وشربت بكفي حتى ارتويت، ثم مضيت إلى أهلي في حلب، وبقيت مداوماً ومواظباً على غزواتي إلى دمشق دون أن أعرف السبب، وعندما كبرت تحينت أول فرصة وجئت إلى دمشق طالباً ومكثت فيها إلى الآن، كما أنني أعرف أناساً لي جاؤوا لقضاء يوم أو يومين هنا في دمشق ولكنهم ماتوا فيها ودفنوا فيها، وكان سبب بقائهم هو أنهم شربوا من ' مياه الشام '، تماماً كما حدث معي، وأعرف صديقاً لي جاء من قريته مع سيارة بطيخ كي يساعد في إنزال البطيخات وما زال هنا إلى الآن بينما سيارة البطيخ جاءت وراحت مئات المرات وفي كل مرة كان يهبط منها شخص جاء للمساعدة بإنزال البطيخ وبسَّط في الشام ومات فيها بعد عمر طويل، كما عرفت الكثير من الأصدقاء العرب والأجانب رمتهم الصدفة إلى دمشق ولكن مياه الفيجة اضطرتهم إلى المكوث والبقاء في الشام، وكم من المرات حدثني أناس من خارج الشام عن مياه الشام بحنين بحجم عذوبتها، ومع ذلك فإن مياه الفيجة لا تصل إلى كل مناطق دمشق بعد توسعها الرهيب، فانتشر بائعو مياه الفيجة فيها وهم يدندنون ' إديني منك طراوة.. إديني حب .. أديك فيجة يا عطشان'.
فلا تنسوا مياه الفيجة من ثقافة دمشق، لأنها الجاذب الأول في دمشق والسحر الأول والقصة التي تضطرك إلى البقاء لفك لغزها، لكنها عصية، عذبة .. عذبة .. لكن عصية .
لا أنحني لأحد .. إنما أنحني أمام حنفيتك المقدسة التي يسمونها فيجة .. وأشرب وأشرب حتى أرتوي ."

١٩‏/٠٥‏/٢٠٠٧

علماء بهيئة سائقين


"لم أجد في العالم كله من يشبه سائق التاكسي السوري، فهو كل شيء.. بروفيسور.. دكتور.. أستاذ.. باستثناء “شوفير”. فما أن تطأ مقعدتك مقعدَ التاكسي حتى يبادرك “الشوفير” بالقول “الله وكيلك ما بعرف الطريق.. دلني” وهو ينتظر مني أن أسأله “ليش ما بتعرف الطريق؟” ليجيب قبل أن تنهي سؤالك بتنهيدة وجملة حزينة “أنا مو شغلتي شوفير.. أنا أستاذ جامعة.. بس الظروف والرواتب.. أنت بتعرف”. وهكذا صعدت مع مهندسين وأطباء وأساتذة وعلماء ذرة ولكن بهيئة “شوفيرية”، ولكن سيكولوجيا
الشوفير تفوق ما ذكرت هولاً، فالشوفير يعتبر نفسه من أفهم الناس وأكثرهم فهلوية وذكاء، وهو يعتبر كلَّ رجل يصعد معه مشبوهاً حتى يثبت العكس، وكل امرأة مشبوهة حتى لو أثبتت العكس، كما أنه يصرُّ على سماع المسجلة بصوت عالٍ، فإذا أبديت إعجابك بالشريط الموسيقي هزَّ رأسه إعجاباً باختلافه عن عامة الشعب وذوقهم المنحط، وحدَّثك طوال المشوار عن علاقته القديمة بالموسيقا. أما إذا تجرَّأت وطلبت منه تغيير الشريط، فإنه يبادر مباشرة إلى اتهام شريكه في الوردية الأخرى للتاكسي “الله وكيلك ما بعرف من وين يبجيب هالأغاني”، ثم يتابع فصلاً من النميمة ضدَّ شريكه “عالم الذرة” السائق الآخر حتى تصل إلى مشوارك ورأسك مليء بسيرة حياة سائق لا تعرف حتى شكله.
مرة صعدنا مع سائق فهلوي، وكان شعري طويلاً جداً، فما كان من الشوفير إلا وأن أدخل أنفه وسأل أصدقائي عني: “شو.. الأخ أجنبي؟”. تغامزنا وأجابوه: “نعم.. إيطالي.. بس الله وكيلك هلكنا.. ما في أغلظ منه”. هنا ابتسم الشوفير خبير اللغات بتعالٍ، وسألهم إذا كنتُ أعرف العربية، فأجابوه: “جحش.. ما بيعرف ولا كلمة”، ابتسم الشوفير ابتسامة أعرض وقال: “شوفوا شو بدي أعمل لكم فيه لها الإيطالي”. وبدأت ملحمة من الذكاء وخفة الدم والشطارة من الصعب نسيانها.
التفت السائق خبير اللغات وقال لي: “هاو آر يو؟!”، فقلت له: “غود.. فيري غود”.. ابتسم وقال لأصدقائي: “لسّه ما شفتوا شي”، ثم التفت إلي وقال: “سيريا غود يا جحش؟”. فابتسمت وقلت: “غود.. فيري نايس”، ضحك أصدقائي بعنف، فتحمَّس الخبير السياحي 'السائق' وقال لي: “يو آر هابي يا حيوان؟!”. قلت: “يس”، وسالت الدموع من أعين الشباب من الضحك بينما كان السائق مبتسماً ومزهواً بخفة دمه وذكائه، وتابع مشيراً بيده وفمه دلائل امتداحي: “يو أر كديش.. بغل.. فيري غود”، فقلت له: “تانك يو”. وانفجرت السيارة من الضحك، ازدادت حماسة الوزير السائق فقال لي: “يو آر فيري نايس.. يو آر.. حمار معبَّى ببنطلون”، ولم يمنع نفسه من الضحك في نهاية الجملة بينما كان الشباب قد أضحوا في غيبوبة من القهقهة، ووصلنا.. فصمت الجميع مانعين أنفسهم من الضحك بينما كان الشوفير يتابع مآثره الكوميدية، فبادرته وبالعربية: “أديش بدّك يا جحش يا زبالة يا بلّوعة؟!”، امتقع وجه الشوفير كأنه وزير قد خُلع من منصبه للتو، فتابعتُ بسادية: “ما قلت يا ألف حمار عم بيعلفوا سوا أديش بدك؟!”، نظر الوزير المخلوع إلى الكتلة الشبابية الجالسة في سيارته وقال بصوت مخنوق: “ما بدي شي.. بخعتوني”. ولم تمضِ أيام حتى صعدنا أنا وصديقي الفنان التشكيلي “أحمد معلا” في تاكسي أخرى، ولكن بعد معاناة، فالتكاسي لا تتوقف إلا للخليجيين في فصل الصيف، لذلك وقفنا عند إشارة المرور وبمجرد وقوف السيارات حدثت سائقاً باللهجة الخليجية، فبشّ في وجهي بعد أن كان متجِّهماً وصعدنا. جلست في الأمام وجلس “أحمد” في الخلف، وقلت للسائق: “نبغي نروح على دمّر ياخوي”، قال السائق المحبِّ للوحدة العربية: “أهلين بإخواننا العرب..من وين حضرتكم بلا صغرة؟!”، قلت: “من الكويت يا خوي”، فانفرجت أساريره وهو يتخيَّل الدينار الكويتي الذي يساوي 170 ليرة عداً ونقداً. نظر “أحمد” إلى العداد وقال لي بلهجة كويتية: “شنو هذا؟!”، فقلت له: “هاذا عدَّاد.. كلما تمشي السيارة يزيد عدد الفلوس اللي لازم ندفعها”. وبالطبع فإن العداد يظهر المبلغ المطلوب بالقروش، فالـ 400 قرش تصبح بعد قليل 500 قرش، أي خمس ليرات، وهكذا حتى نصل إلى دمر، فيكون المبلغ حوالي 2700 قرش، أي 27 ليرة، ولكني شرحت لـ”أحمد” باللهجة الكويتية عن العداد وأنا أقلب القروش إلى ليرات، وقلت له: “شوف.. هالسّع المبلغ 400 ليرة.. هاه هالسع قلَبْ وصار 500 ليرة”. وما إ ن سمع الشوفير عاشق الوحدة العربية جملتي الرهيبة التي قلبت القروش إلى ليرات ببلاهة حتى قال لي: “أهلين.. الكويت وطننا الثاني”، وتابع “أحمد” فرجته إلى العداد وبدأ يعدُّ الأرقام كلما تغيَّرت وازدادت “هاه.. صار المبلغ 700 ليرة”.
وبدأ كيان عاشق الوحدة العربية يهتزُّ طرباً لانقلاب القروش إلى ليرات، صحت بأحمد: “شوف يا خوي صار العداد 1200 ليرة”. وكانت دموع الفرح تهطل من عينيَّ صنَّاجة العرب الذي قال: “يا أخي الكويتيين قبضايات”. وتذكرت غزو الكويت دون أن أعرف لماذا. وصلنا وكان “أحمد” يقول: “هاه.. صار العداد 2700 ليرة..” قلت لصناجة العرب أن يتوقف فتوقف وسألته: “كم تريد؟!”، فقال لي بعد أن ألقى خطبة عصماء عن الكويت وطنه الثاني: “ع العداد أخي.. أنتو إخواننا العرب ما بناخد منكم أكتر من العداد”، قلت: “لا.. نحن نريد ننطيك على كيفك.. اللي تبغيه لأنك آدمي وتحب الوحدة العربية”، فقال وهو يحلف بأغلظ الأيمان: “وحياة مين حرَّر الكويت ما باخد أكتر من العداد”.. فقال أحمد: “لأ.. نريد ننطيك اللي تبغيه”، فقال وقد نفد صبره: “أخي ع العداد.. اقرأ الرقم وادفع.. صار لكم ساعة عم تقروا”، فأصرَّينا على أن يقول الرقم، فقال مستسلماً: “أخي ع العداد 2700 ليرة بس”. نظرنا إليه بسادية وحقارة لا مثيل لهما أنا و”أحمد”، فأعاد الرقم: “2700 ليرة بس.. ع العداد”، تابعنا نظراتنا السادية والحقيرة، وقلت له بلهجة مغرقة في المحلية على اعتبار أن المحلية هي الطريق إلى العالمية: “2700 ليرة أجرة توصيلة من قلب الشام لدمّر.. شو مفكرنا حمير ولاه؟!”، وتابع أحمد: “العمى بعيونك شو نصَّاب، 2700 ليرة ولاه؟!”. زمَّ صناجة العرب سابقاً شفتيه وقال: “انزلوا.. بخعتوني.. ما بدي مصاري”، نزلنا ولم ندفع، وكان السائق يدور بالسيارة بعنف وهو يبرطم بجمل غير مفهومة عن الكويت وغزو العراق لها، بينما كنت أقول لـ”أحمد” أن يستأجر لنا منزلاً في بناء ممره قصير كي لا نضطرَّ إلى البقاء تحت أنظار العلماء لفترة طويلة ونحن نسمع شتائمهم العلمية."

١٨‏/٠٥‏/٢٠٠٧

على كل الأرصفة أسمع طرقات حذائك


"ها أنذا عجوزكِ
تجاعيدُ وجهكِ
وارتجاف الكف
ما تبقى في القلب
وما سَلِمَ من العطب
عجوزكِ المستوحش
السائر وحيداً
دون عكازٍ في هذا الشارع الطويل ودونكِ


أعمى أهوائك
الذي تقودينه مع كل طائرة إليكِ
عارفاً أنكِ لست لي مجدداً
وأن الشارع الذي تعبرين يجهلني
أعمى أمام جسدكِ
خائبٌ في المطار
والصديق الذي يسألني عنكِ.. يؤلمني..


أعرف من يعانقكِ الآن
وأعرف كيف يستغرب عرق كفيكِ الغزير
عرق المودة الذي بلل كفي في الصالحية
وباب توما
وشعركِ الذي بكل الصفات
فمكِ البريء والشهواني
ساقاكِ وصدركِ
كم كان علي أن أعلّمكِ كي يحبكِ الآخرون
كم كان عليَّ وأنا ألمس كفكِ أن أعرف
أن خاتمي ـ منذ زمن بعيد ـ قد خرج من إصبعكِ


في أي وقتٍ تستطيعين الدخول إلى البيت
لأن الباب يحنّ إليكِ
والجرس يشتاق لأصابعكِ
وفي أي وقتٍ تستطيعين
الجدران تحبكِ
والممر والكراسي
مقبض باب الغرفة سعيد وأنتِ تديرينه
والغرفة أيضاً
الشبّاك يحبكِ والخزانة والكتاب المفتوح
بجانب السرير
ومن الزاوية سأنهض للقائكِ
ومن أجلهم جميعاً سأقبلكِ
ولكنني.. يا الله.. كم أكرهكِ


عادتهُ الانتظار
وعادتها أن لا تجيء
عادته كرسي وعيون على الباب
وعادتها أن لا تدق
مرة جاءت، دقت الباب
لكنه بقي على الكرسي
وبقيت عيونه على الباب


فرح بك
كتمثال عثرَ عليه للتو
في الشارع أخاف عليك
وعلى الرصيف أحبكِ
وعندما تندلع الحروب
أقف مدافعاً عن شارع بيتكم
على كل الأرصفة أسمع طرقات حذائك
وعلى كل العيون ألمح نظارتكِ
أمسحُ عن زجاجها صور كل الرجال
وعندما أعود إلى غرفتي
لا يفزعني سوى غيابك
في الليل الموحش
وحيداً
حزيناً
كتمثال عثر عليه للتو



كما لو أنني ماء
أعيد الحصى للشواطئ
وألاعب الريح
تمر السفن محملة بالقراصنة فأهدأ
وعندما يمر زورقك الصغير أتبخر
كما لو أنني ماء
أموت فرحاً عندما ألامس قدميك في مدي
وأموت حزناًحين أنحسر عنكِ في جزري
أنتظركِ
وعندما لا تأتين
أسدلُ أمواجي علي وأجف
كما لو أنني ماء


من الذي سيأتي الآن
تفوح منه العطور
وفي يده ورد
من الذي سيأتي
في خطواته لهفة
وفي طرْقته على الباب ارتجاف
من الذي سيأتي
من الذي سيفتح الباب ويعانقه
ومن الذي سيرقب المشهد
ويتكسَّر من الإهمال


أول من يأتي إلى موعدنا أنتَ
ودائماً أتأخر
تعرف أي ورد أحب وتحضره
وتعرف أي الألوان
تنشر حولك الظلال وأنت تنتظر
فتحبكَ الظلال
وتحبك ألوان ملابسكَ
الورد في يدك يحبكَ
والمارة أيضاً وهم يرونك تنتظر
تحبك المباني حولك والسيارات العابرة
والناس الداخلون إلى مبنى البريد والخارجون
أحبكَ أيضاً وأنا أتخيلكَ تنتظرني
أحبكَ وأنا أفكر
مرة أخرى لن أستطيع المضي إليك


بعد الحب
ما جدوى ما بيننا
فلست سوى جسرٍ يقودكِ إلى الهاوية
وروحي أشد ظلاماً
أقول الآن:
أستطيع أن أطرد الجميع من بالي وأطردكِ
ولكنك تستطيعين البقاء أكثر
أرجوك.. تستطيعين"

١٧‏/٠٥‏/٢٠٠٧

فوتوكوبي


"منذ الأزل والإنسان يتساءل عن جدوى وجوده، ومن هذا التساؤل ظهرت الأساطير التي تحكي عن تعاسة رحلة الإنسان في الحياة، ومن أشهر هذه الأساطير أسطورة 'سيزيف' الذي عاقبته الآلهة بأن يحمل صخرة ويصعد بها إلى أعلى قمة في الجبل ويضعها هناك فتتدحرج فينزل ويعود ويصعد بها من جديد وهكذا إلى نهاية حياته، ثم برز الفلاسفة العدميون وأدب اللامعقول وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث وقف الإنسان الأوروبي مذهولاً من حجم الخسارة الإنسانية الكبيرة التي لحقت به، وبرز الأدب الوجودي فكتب ألبير كامو ' الغريب ' و'الطاعون' كما كتب سارتر كتابه الشهير ' الوجود والعدم ' وبدأ بالتنظير للفكرة الوجودية عبر ...
قصصه ومسرحياته ورواياته وأشهرها ' الغثيان '، أما التيار الفني الأكثر شهرة فقد كان مسرح العبث، وقد ظلت مسرحيات 'صموئيل بيكيت' و'يوجين يونسكو' و'أداموف'
وطفرناندو أرابال' مثار إعجاب إلى الآن، وجميع هؤلاء حكوا عن موضوع واحد هو عبثية الوجود، وقد صرخ 'يونسكو' في مسرحيته العظيمة 'الملك يموت ' إن الإنسان الذي صنع كل هذه الأشياء العظيمة من برق وهاتف وسيارات وموسيقا ومسرح وشعر وأسلحة وطائرات ومصانع هو الملك ولكنه الآن يموت، بينما مضى 'بيكيت' إلى الحديث عن تعاسة الإنسان الذي لا حيلة بيده سوى الانتظار في مسرحيته الأشهر 'بانتظار غودو'.
ولا تحيد مسرحية الكاتب الأمريكي 'موري شيزجال' 'الطابعان' عن مجمل هذه الأفكار، فهي تحكي عن عبثية الأيام وهي تتكرَّر يوماً بعد يوم وعن تعاسة الإنسان وهو يحلم ولكنه دائماً يسير بجانب حلمه دون أن يقدّم له شيئاً، فيعيش حياة خادعة كاذبة مملة متكررة، وقد تمَّ تقديمها على خشبات المسرح السوري بعرض من إخراج 'محمد قارصلي' وتمثيل 'ندى حمصي' و'ماهر صليبي' قبل أكثر من عقد من السنوات، وها هو 'ماهر صليبي' يعود مع هذا العرض من بوابة المسرح القومي ولكن مخرجاً، وقد سماه ' فوتوكوبي' وبتمثيل 'يارا صبري' و'محمد حداقي' و'منصور نصر'.
على مسرح القباني الصغير والدافئ تقدم عروض 'فوتوكوبي' حالياً، وحالما تخرج من العرض تشعر أنه هزَّك من الداخل ولامس وجدانك وحرَّك بعض التساؤلات النائمة في زحمة تراكضك اليومي لإتمام رتابة حياتك على أكمل وجه، عاد هذا العرض بالمسرح إلى منطقة كان قد تناساها الكثيرون فظنوا أن الفن ما هو إلا تعالٍ على الهموم البشرية، وكان تفاعل الجمهور مع الممثلين كبيراً وفيه بعض الخجل من الذات بسبب هذا التفاعل، فلطالما كان الإنسان في بلادنا قد وصل إلى مرحلة تعالى فيها هو أيضاً على تساؤلاته الطفيلية. وفي عرض ' فوتوكوبي' تمتع الجمهور بأداء 'يارا صبري' و'محمد حداقي'، وتمتعت أنا شخصياً برقصة 'منصور نصر' المقتضبة على أنغام 'وركبنا عالحصان' للمطرب الراحل الكبير'فهد بلان'، وأكد 'ماهر صليبي' أن المسرح فكرة تتسع لكل الألوان، وأن الفن لا يمكن له أن يبتعد عن الأسئلة البشرية البديهية مهما كانت بديهية."

١٦‏/٠٥‏/٢٠٠٧

ناس وناس


"منذ زمن قديم والحكومة السورية ترفض أن يتساوى الناس في التمتع بالسيارات، حتى بعد اختراع السيارة الوطنية ' شام ' ما زال من غير الممكن أن يتمتع الجميع بهذه الميزة، ميزة أن تكون لديك سيارة، والسبب كما تعرفون هو تلك الضريبة العجيبة المعروفة بالنمرة السورية، والتي يكون ثمنها أضعاف ثمن السيارة ذاتها، حتى أن شركات السيارات دهشت من حكومتنا التي تربح أكثر منها، فالشركة تتعب نفسها كي تصنع سيارة منافسة بميزاتها وسعرها وتربح بضعة ألوف من الدولارات من السيارة الواحدة بعد جهد جهيد وعمل كثير وإبداع أكيد، ثم تأتي حكومتنا العتيدة
وتربح من نفس السيارة دون أن تفعل شيئاً أضعاف ما تربحه الشركة!!!!! لكن دهشة الشركات الكبرى زالت بعدما عرفت أن حكومتنا إنما تربح كل هذه الأموال من شعبها حصراً، أي أنها وبحكم تحكمها وحكمها وإحكام قبضتها على حياتنا تستطيع أن تفعل بنا
ما تشاء، وأن تجعلنا ندفع ما تشاء على طريقة السلطان العثماني الذي نسيه الناس في الآستانة أو استانبول بينما ذكراه تتجدد كل يوم في بلادنا العلية.
ولأن خطر ببالي أن امدح الحكومة على ورشاتها المتسارعة في بناء الجسور والأنفاق وشق الطرقات الجديدة في هذه الأوقات فإنني أتحسر على هذه الطرقات التي لن تسير عليها سيارة إلا ويكون صاحبها قد دفع ما فوقه وما تحت أهله وجيرانه كي يحس أنه يشبه الناس في كل أنحاء العالم ، ما الفائدة من الطرقات إذا لم نمشِ بسياراتنا عليها ؟!
وبالطبع أخوكم المواطن السوري يجد حلاً لكل معضلة، فها هي السيارات ذات النمر اللبنانية تتمشى في شوارعنا بسائقين سوريين سعداء، وها هي سيارات بنمر سعودية وكويتية تتمشى على أوتوستراداتنا بسائقين سوريين مغتربين يعيشون في جحيم الغربة من أجل أن يأتوا إلى بلدهم ويسيروا بهذه السيارة في شوارع الوطن الحبيب بفخر واعتزاز ، هل كان عليه أن يدفع كل هذه الأثمان من أجل هذه اللحظة ؟!
الحكومة ترى أن الناس مقامات، ومو كل مين خطر على باله يشتري سيارة لازم تكون عنده تاني يوم، فهل من المعقول أن نرى النجار والسمكري والطالب وبائع اليانصيب والنادل والموظف وأستاذ المدرسة راكبين سيارات ؟!!! .. إي هزُلَتْ .
الناس مقامات، ومن طلب العلا سهر الليالي، ومعك قرش تسوى قرش، واللي بده يشتغل جمَّال بده يعلّي باب داره، وياراكب الهمرا قناطير سلم على أحباب قلبي قناطير.
ومع ذلك الشعب لا يذوق، فها هو نجار بيتون يضع أمامه بجانب كاسة الشاي الأكرك عجم جهاز موبايل ' دمعة ' مع كاميرا وهو ذات الجهاز الذي يضعه أمامه المتعهد المليونير الذي يعمل عنده، برأيكم مو شي مزعج ووقح ، كيف سنفرق بين المليونير والأندبوري إذن ؟!!
الحل بسيط .... أرجو أن تضعوا نمراً للموبايلات وضريبة جمركية عالية مثلها مثل السيارات لكي نميز ما بين أبناء الشعب .
لكن الشعب عجيب غريب لأننا سنشاهد فيما بعد هذا القرار موبايلات بنمر لبنانية وأخرى بنمر خليجية ، وسنرى أحدهم يحمل موبايلاً مكتوب على نمرته ' إدخال إصطياف ' .. بتصير وحياتكم رح تصير!!!!!!!!!!!!!!"

١٥‏/٠٥‏/٢٠٠٧

فريقي وصديقي برشلونة


"يعتقد فريقي برشلونة الذي أحبَّ أنه يستطيع الحفاظ على صداقتي له مهما كان الثمن، ويعتقد صديقي برشلونة أن صداقتي له هي تحصيل حاصل، وأنني سأبقى مثابراً على حبي الجارف له وإعطائه الأولوية أمام أصدقاء آخرين من مناطق أخرى مثل 'مانشستر يونايتد' و'آ إس روما' و'الحرية' الحلبي، ويعتقد صديقي برشلونة أنه الأوحد والوحيد في حياتي، وأنه علي طيلة الوقت أن أمتدح كلَّ ما يقدمه من مباريات، ولكنه لا يقدم شيئاً فيخسر هناك ويتعادل في 'الكامب نيو' ملعبنا، وعدَنا ببداية الموسم أن يفوز بست بطولات بعدين راحت البطولة ورا التانية لحتى صفيلنا التلاتة الأساسيات، يعني الدوري والشامبيونزليغ والكأس، وفي عز لهيب الدوري ومطاردة العدو التقليدي ريال مدريد لنا يمضي البارسا -وهذا اسم الدلع لصديقي برشلونة- إلى القاهرة .. قال شو رايح يشارك النادي الأهلي المصري أفراحه،

ومع ذلك شفناها للمباراة وربح صاحبنا البارسا أربعة -صفر ورجع على برشلونة نافش ريشه،
لا وبدو ياني أحكي عن فوزه الأسطوري، وزعل مني وقت اللي قلت له: عم تخسر قدام ليفربول بأرضنا بالشامبيونز ليغ وهلأ جايي تستقوي على فريق عربي! لا حول له ولا قوة، قام راح بيضها وربح على ليفربول بأرضه بس للأسف طلع الفوز ما بيكفي وقحطنا برا الشامبيونزليغ غير مأسوف على نجومنا المبروظين، قلنا ياالله بيكفي نأخذ ثنائية الدوري والكأس، وقام راح بيَّضها وسلخه لريال ساراغوسا بأرضه وتأهَّل لنصف النهائي، ولعب مع خيتافي الدرويش اللي ما بيطلع حق فريقهم كله قد نص حقه لرونالدينيو وربح خمسة- اتنين، وأحرز ميسي هدفاً أسطورياً وقلنا: ها قد عاد صديقنا البارسا إلى الفورمة ولكنه في مباراة الإياب خسر بمعجزة أربعة- صفر، وخرج من الكأس ذليلاً ورجع إلى برشلونة زحفاً لأنو ما لو وش يشوف حدا، ومع ذلك بقي يطالبني شخصياً بتعظيمه والتذكير بالبطولات السابقة التي أحرزها وبالفنيَّات الجميلة التي كان يقدِّمها ، قلت له حسناً لكن على شرط أن تفوز على ريال بيتيس الضعيف في برشلونة وتحافظ على فارق النقطتين بيننا وبين العدو الغاشم المتغطرس ريال مدريد خاصة وأن صوته بدا يعلو قليلاً، وبالفعل لعبنا المباراة وأحرزنا هدفاً بالزور في الشوط الأول، وضيع إيتو ' أبو السودة ' لوحده شي خمس أكوال، أما أبو الجدايل رونالدينيو فاكتفى بتمرير شي باصين خطيرين، بينما الأخ ميسي يحاول أن يحرز هدفاً كالذي أحرزه على خيتافي وما كانت له قيمة على أرض الواقع لأنو الجماعة حطوا علينا أربع أهداف وحلقوا لنا برا الكاس، قلنا ماشي الحال بنربح لعبة بيتيس وبنضل على فارق نقطتين مع العدو المدريدي الغاشم، ومع مرور دقائق من الشوط الثاني قام العندليب الأسمر مدربنا ريكارد بإخراج رونالدينيو وأتبعه بميسي وأنزل سافيولا وإدميلسون، قلنا تكتيك، وقبل نهاية المباراة بدقيقتين أحرز بيتيس هدفا بعد أن أنقذ فالديز هدفين قبله من أخطاء عجيبة لتورام ' أبو سمرة '، وصار ريال مدريد الأول ونحنا التاني، وصديقي بارسا يريدني أن أتابع تعظيمي له وهو لا يقدِّم لي شيئاً سوى وجع القلب والراس وحرق الأعصاب، قلت لبارسا ' لا يوجد شيء لا بديل له '، لن أصادق الأعداء من بعدك، ولن أجلب من يأخذ مكانك في قلبي، ولكنني سأطردك فقط خارج حدود القلب لأنو ما بيجي منك غير وجع القلب، أما البديل عنك فهو فكرة الصداقة، وفكرة الصداقة لا تموت بموتك يا بارسا، فإلى اللقاء فأنا ذاهب لألتقي بأصدقائي مانشستر يونايتد وآ إس روما والحرية الحلبي فقد زعلوا مني لشدة ما ضيَّعت وقتي كله معك، باي باي بارسا ؟!!"

٠٨‏/١٢‏/٢٠٠٦

الشاعر سينتحر

"تمنيتُ أن أصاب بالسرطان، أولاً لأن الكلمة أعجبتني، وثانياً كي يشفق أهلي وأصدقائي وأقاربي عليّ ويندموا على كل ما اقترفوه بحقي من جرائم جسدية ومعنوية ومادية. فها هي الحبيبة التي رفضت حبي وطردتني شر طردة من حياتها وشارع بيتها مستعينة بأولاد حارتها الأشاوس تأتي إلي جاثية بعد أن علمت أن موتي قادم لا محالة.. وهي تبكي وتصارحني بحبها وندمها على رفضها لي، ولكنني سأبتسم بحزن، وأقول لها ودمع العين يسبقني: 'لا.. انسيني أنا ميت ولا ذنب لكِ كي تترملي باكراً'. عندها ستنهمر الدموع من عينيها بسخاء، وستبدأ بالنحيب : 'لم ولن أحب غيرك.. لا تمت أرجوك'. وبهدوء شديد سأداعب شعرها بكفي وأنا أنظر إلى الأفق وأقول: 'الحي أفضل من الميت.. ابحثي عن حبكِ بين الأحياء'. وستزداد فتاتي عويلاً حتى تنهار بين قدمي..

وسوف يشعر أبناء عمتي أنهم كانوا حقراء في التعامل معي عندما رفضوا انضمامي إلى فرقتهم الموسيقية كمغنٍ، بل شبهوا صوتي بنهيق الحمار، وسوف يأتون إلي مع آلاتهم الموسيقية متضرعين أن أسجل شريطاً معهم فوق إحدى أشرطة أم كلثوم، ولكنني سأعتذر بحزن مشوب بالكبرياء وأقول: 'أنا أرفض منطق الشفقة في الفن'..

وسأستمع إلى حديث نادم بين أبي وأمي في غرفة النوم وهما يبكيان، فأمي تندب وتشد شعرها وهي تقول: 'آخ.. لماذا لم أتركه يسافر إلى أوروبا كي يدرس السينما..؟' بينما سيضرب أبي رأسه بالجدار باكياً وهو يقول : 'آخ.. لماذا لم أعطه المئة ليرة.. لماذا؟'..

ثم نسيت كلمة السرطان، وأعجبت بفكرة الانتحار.. وفكرت في محاولة انتحار فاشلة تودي بي إلى المشفى، وهناك سأكون في غيبوبة، ولكني سأسمع كل الأحاديث التي تدور حولي. فها هو مدير مدرستنا يعدد مآثري ومناقبي على الرغم من أنه لم يكن يعلن بداية اليوم الدراسي قبل أن يصفعني. وسأسمع عمي الذي طردني من بيته كي لا أفسد ابنه المثالي يشيد بذكائي ويصفع ابنه المثالي الذي يبكي بجانبه لا حزناً علي بل بسبب الصفعة.. ولكي يكون حجم الألم والندم أكبر سأوقت موعد الانتحار بعد فاصل من الضرب المروع بحقي من قبل أبي وأمي معاً، كما أن الشعراء الذين سخروا من شعري سيطأطئون أمام جسدي الواهن وهم يرددون في دواخلهم: 'إنه شاعر حقيقي احتج على واقعه بالانتحار'، وسيعيدون النظر في قصائدي التي شتموها سابقاً، ويعتبرونها تحفة فنية رامبوية الطابع نسبة للشاعر الفرنسي آرثر رامبو.

وقد سمعت عن طالب في كلية الطب انتحر أثناء قيامه برحلة ترفيهية مع زملائه من أجل فتاة كان يحبها، وأعجبت به، ثم أعجبت بالشاعر خليل حاوي الذي انتحر احتجاجاً على الصمت العربي عام 1982 تجاه حصار بيروت، ومع ذلك فلم أجرؤ على الانتحار إلا في خيالي، وفجأة اتصل الصحفي وليد اسعيد، وطلب مني أن أحضر إلى بيت حكم البابا، وهو شاعر أكبر مني بأربع سنوات، وعندما دخلت وجدت حكم جالساً ووليد وإياد الغفري يتناقشون في موضوع ساخن، كان حكم مصراً على الانتحار، وكانا يمنعانه بخوف متعقل، وكان يشرح لهم كل مرة عن الطريقة التي سينتحر بها، فتارة سيطعن نفسه بسكين المطبخ لينهض الاثنان ويحتجان : 'لا تحكي هيك يا حكم' أو 'بنعرفك بتحب الحياة يا حكم'، وتارة أخرى سيتناول علبة من الحبوب المنومة وينام على أنغام 'ضربات القدر' لبيتهوفن خاصة أنه اهتدى إلى الموسيقى الكلاسيكية مؤخراً، وتارة سيرمي بنفسه من الطابق الرابع إلى محطة البنزين أسفل منزله، واحتياطاً سيحمل سيكارة مشتعلة في يده، وكان الاثنان قد وصلا إلى مرحلة البكاء على إصرار هذا الصديق المحب للحياة على الانتحار بينما كنت واقفاً أمام باب البراد الجاثم في الغرفة الوحيدة التي سُمّيتْ عبثاً بمنزل، آكل ما تيسر من الأطعمة التي تحضرها عمة الفقيد القادم..

وفجأة وجه حكم حديثه إلي: 'سأسألك لا كصديق وإنما كشاعر'.. وبعد أن شرح أسبابه الغرامية سألني : 'هل أنتحر أم لا؟'. نظر الصديقان إلي وهما ينتظران مني أن أنقذ الشاعر من الغياب، بينما فكرت أنا المتشرد الشاعر البوهيمي الذي لا سقف يؤويه في العاصمة على اعتبار أنني من أدباء الأقاليم عن سبب اتصالهم بي، وحدست أنهما سيطلبان مني الإقامة عنده كي أمنعه من الانتحار، فأجبته وفمي مملوء بالكوسا محشي الذي طبخته عمته: 'لو كنت مكانك لانتحرت'..

وهكذا أصبحتُ مقيماً في غرفة حكم بصفة حارس على حياة شاعر قد تفقده الأجيال متنعماً وحدي في العلن بالطبخات المتنوعة التي تحضرها العمة كل يوم لأن حكم كان يأكل في غيابي كي لا تتشوه صورته أمامي. وعندما أحسست بالخطر من تناقص الطعام اللذيذ بدأت أضغط عليه كي يعترف بأنه يأكل سراً، ولكنه كان يرفض الاعتراف، فقلت له إنني سأتأكد من كميات الطعام قبل خروجي لأعرف إذا كان يأكل أم لا. وبالفعل بدأ الشاعر الفقيد يقتات سندويش الشاورما كي يوهمني بأنه لا يأكل بينما كنت أهز رأسي بأسف مصطنع وأنا أنهره كي يأكل وأتلذذ وحدي بنعمة الطبخ المفقودة في عالم الشعراء. كان يحدثني عن الطرق التي سيستخدمها في الانتحار، وكنت أتثاءب وأنا غير مبال بما سيفعله من أهوال بنفسه أثناء نومي، والأنكى من ذلك أنني كنت أتركه وحيداً طول النهار وأعود ليلاً وأنا ثمل لا أحتاج إلى أكثر من جملتين انتحاريتين منه حتى أكون غائصاً في عالم الأحلام.

بدأ حكم يشتاق إلى السهر في الخارج، فخرج بفتوى عظيمة عندما قال لي ولإياد إنه يريد أن يسهر في مطعم قصر البللور لأن ساعة الصفر قد حانت وعليه أن يودع هذا المكان الجميل. وهناك أكل المنتحر ثلاث سمكات وحده وشرب بطحتي عرق وهو يتحدث عن انتحاره بينما كانت أرواح الأسماك تئنّ بين أضراسه المتوحشة. ثم طلب الحساب ونهرنا كي لا ندفع بشهامة غير متوقعة، ودفع الإكراميات السخية للنادلين، فدغدغني إحساس للمرة الأولى بأن هذه الأفعال هي أفعال شخص سينتحر فعلاً..

وبعد أيام ضجر حكم مني بسبب لامبالاتي أولاً وبانفرادي بالطعام ثانياً خاصة أنه مل من سندويش الشاورما السري، فأعلن أنه اهتدى إلى الطريقة المثالية للانتحار، وهي مكونة من مرحلتين، المرحلة الأولى سيتناول فيها الحبوب المنومة ويقفل باب الغرفة والنوافذ بإحكام شديد، أما المرحلة الثانية، فسيفتح فيها اسطوانة الغاز وينام بسلام مختنقاً بالغاز. فكرت للحظة، وأصبت بالرعب من أن أنام ولا أستيقظ إذا ما فعل ذلك.. فانقلب نعيمي جحيماً،وصرت متيقظاً لا أنام أبداً حتى ينام، وبدأت أستيقظ رعباً عند كل حركة يقوم بها جسده النائم، وكان يوقظني باكراً إمعاناً في الانتقام مني حتى نسينا معاً موضوع الانتحار، ومازلت أشاهد حكم إلى الآن وقد أصيب بمرض السكري، فتراه لا يشرب إلا الدايت كولا، ولا يأكل الدهون والشحوم متقيداً بصرامة بتعليمات الطبيب خوفاً من ارتفاع السكري، ما زال حياً يرزق.. ويتحدث على الموبايل."